مقالات واراء

السلطة التنجراوية … وفقا لما أورده إبراهيم إسحاق في دراسته القيمة

محمد علي مهلة

تناول الاستاذ إبراهيم اسحاق إبراهيم في دراسته القيمة شعب التنجر والروايات المتباينة حول أصلهم وتاريخ حكمهم، وامتداداتهم الجغرافية، وأن قيمة دراسته المعنونة بهجرة الهلاليين من جزيرة العرب الي شمال افريقيا وبلاد السودان – في المنهجية التي عمل بها، والمراجع والمصادر التي استند عليها، والتحليلات والخلاصات التي توصل إليها. والآن أترككم مع النص الذي أورده عن السلطة التنجرواية:

(( تنتشر تجمعات سكانية صغيرة لشعب التنجر في الوقت الحاضر من كردفان شرقاً إلى شمال نيجيريا غرباً. وليس من دليل قوي على أنهم قد تكلموا في بلاد السودان الأوسط بلسان يخصهم غير العربية، ذلك فيما عدا تعلمهم أحياناً لغات جيرانهم من الفور في دارفور والكانوري في تشاد.
كذلك تدل الروايات الشفهية السائدة بدارفور، على أن التنجر الذين سكنوا مع الزغاوة يتكلمون باللسان الزغاوي. وقد رأى الرحالة نختيقال في تحدثهم بالعربية سنداً لمزاعم أصلهم الهلالي التي يروجها التنجر وصولاً للتعميم عن انتمائهم العربي. وعلى الرغم من أن ناختيقال يصدق ما يتواتر عن أن التنجر كانوا في عهود سطوتهم السياسية بدارفور غير مسلمين، إلا أنه يتعامى عن التناقض في ذلك مع رأيه حول عروبتهم. ويبدو أن حسن أحمد محمود مؤلف الإسلام والثقافة العربية في أفريقية، كما يروي إبراهيم صالح بن يونس، يجد أسباباً مقنعة على الأقل بقدوم التنجر من شمال أفريقية. وهو دون شك قول مشتط .

يقترح ركس أوفاهي أن المنبع الثقافي للروايات الدائرة حول أصل التنجر، هو الذي يحدد طبيعة مقولات تلك الروايات. وهذا تأكيد لمكانة الأيديولوجية القبلية في تحريف الأنساب. ومن هنا يأتي الاختلاف والتضارب في مؤدى هذه الروايات في تشاد جمع كل من كاربو وقروس عينات من التراث الشفهي للتنجر. فأغاني التنجر في كانم، كما يروي كاربو، تحدثت عن تونس وطنا تحن القبيلة للأوبة إليه. أما الروايات التي جمعها قروس فلا تفصل كيف تشكل الهلاليون النازلون بشمال أفريقية على هيئة قبيلة جديدة اسمها التنجر، حينما ظهروا مستقرين في بلاد الساحل الأفريقي، وفي مرتفعات الأندي، ثم بدار الكبابيش في شمال كردفان، وذلك حسبما تجري رواياتهم.ويهاجم هؤلاء التنجر الهلاليون : كما تذهب نفس الرواية، دار قمر بأقصى غرب دارفور، وأخيراً يزحزحون الداجو من نفوذهم على المنطقة شرق جبل مرة.

ويمكن النظر إلى وحدة المنطلق في هذه الرواية التشادية، وفي مثيلتها التي أوردها الإداري النمساوي سلاطين من شرق دارفور، فهنا أيضاً ينتهي طواف الجد العربي المزعوم للتنجر عند إزاحته لسلطان الداجو من حول جبل مرة. والضعف في ثنايا روايتي قروس و سلاطين ينصب على تمسك الرواة بقولين واهيين. فالضعف في رواية قروس صادر من حقيقة كون الداجو لم يحكموا تاريخياً بجبل مرة كما تقدم. والضعف في الرواية الثانية، ثم في الأولى، يكمن فيما سلف من بيان أن أوائل الهجرات العربية إلى دارفور لم تجد الداجو حكاماً فيها. وهاتان الملاحظتان تجعلان افتراض وضع التنجر عربا قادمين من شمال أفريقية، يتناقض مع توقيت الهجرات العربية التي يتفق رواتها قديماً وحديثاً في دارفور، على أن التنجر كانوا أصحاب الملك الراسخ وقت دخول الأعراب إلى الإقليم.

يقول إبراهيم صالح بن يونس أن حسن أحمد محمود يورد عن بالمر تشككاً في انتساب التنجر إلى بني هلال، لكنه – أي بالمر – لم يأخذ تشككه جدياً. ويردف إبراهيم صالح ذلك بسلسلة من التحفظات حول هذا الانتساب التنجراوي للعرب، فهو يلاحظ أن التنجر وبني هلال في منطقة برنو التشادية، لا تجمع بينهما روابط أخوية ظاهرة، بل ويفضل التنجر مساكنة بني عيسى على الالتصاق ببني هلال. ويستدل إبراهيم صالح على الاصطناع في ذلك الانتساب التنجراوي المزعوم للعرب بقوله : ولكن التنجر تارة تجدهم ينتسبون إلى بني هلال كما ترى في السودان، وتجدهم ينتسبون إلى خزام في نيجيريا، وهذا يدل على مدخولية هذا النسب التقليدي .

وكان الأثري البريطاني أركل قد افترض في كتاباته المبكرة وجود دلائل (إثنولوجية ) على رباط يمكن الأخذ به بين التنجر، وبين التبو البربر (القرعان). ثم عاد آركل في كتاباته المتأخرة فرجع عن تلك الافتراضات إذ لم تعد للأقوال عن هجرة التنجر من شمال أفريقية أية أسانيد ذات اعتبار .

ويبدو أن المزيد من الاهتمام بالاحتمالات المقدمة من الانجليزيين : الرحالة بارت والإداري مكمايكل، يجد دعماً مطرداً من الاستخراجات الأثرية المستجدة بدارفور، ومن معطيات الوثائق العربية الجغرافية والتاريخية، ومن التراث الشفهي المحلي، وذلك بعد أن نخل هذا التراث جيداً من نوازعه القبلية الأيديولوجية المتضاربة.

أشار التنجر إلى أنفسهم، في روايات الرحالة بارت، بأنهم جاءوا من دنقلا بشمال نهر النيل، وأنهم قد أقصوا أمة الداجو عن السيطرة في دارفور . ونفاجأ باقتباس لتريمنقام (Trimingham) من كاربو يقول فيه الأخير إن التنجر يذكرون في رواياتهم أنهم قد سكنوا يوماً على ضفاف النيل. ثم يحاول مكمايكل أن يصنع جسراً بين مشكلة انعدام لغة خاصة بالتنجر، وبين ما يرد من دلائل عن أصلهم النيلي، فيقول إنهم ربما تمازجوا مع الأعراب الهلالية والبربر، في مراحل انتقالهم بين شمال السودان عند النيل وبين شمال دارفور .

وتحاول إحدى الروايات الشفهية المجموعة حديثاً من دارفور أن توفق بين متطلبات اصطراعات التعلية القبلية الدائرة اليوم في الإقليم، وبين الذكرى التاريخية للقبيلة بكيانها الزمني، فتقول إن التنجر سكنوا في ليبيا ولكنهم عرب وقد جاء ملكهم من دنقلا . ثم يقول هذا الراوية إن التنجر سبقوا كل العرب إلى دارفور، وفي دارفور وجدهم العرب عندما قدموا، ويقول : إن وصول التنجر كان أولاً إلى بئر العطرون جنوبي الصحراء الليبية. وبعدها نزلوا في المالحة، وهي عين بركانية خامدة بشمال دارفور، وحيثما سكنوا جلبوا معهم زراعة النخيل، وهو ارتباط آخر بصحراويتهم أو نيليتهم. والدليل على أن روابطهم بدنقلا لم تنفصم قط، هو أن عمة هذا الراوية وعقبها، كما يقول، لا يزالون يعيشون في دنقلا .

ويصف هذا الراوي حقبة وصول التنجر إلى دارفور فيؤكد أن جبل مرة وحبل سي وجبل كول لادو بشمال ووسط دارفور، كان يسكنها عندئذ جماعات من شعوب الكارا والسارا والبينقا والمسبعات، وتمتد ديارهم من تلك المرتفعات حتى جبال البيقو في جنوب دافور . أما الأرض (أي السهوب والمنخفضات فقد كانت قفاراً ترتع فيها الزرافات والأسود وغيرها من السباع) .

هنالك مسألة لا تزال تقلق المؤرخين في حزام الساحل الصحراوي الأفريقي ولها أثر مباشر على الدراسات الدارفورية. وهذه المسألة هي ما يتواتر عن الأثر النصراني واللغوي والتجاري للنوبيين في البلاد الواقعة إلى الغرب من نهر النيل. فالصورة الإجمالية لبعض القرائن عن الوضع الديني في أرض الساحل الصحراوي الأفريقي تشير إلى احتمال وصول النصرانية حتى جرمة في فزان، وإلى دار البديات الزغاويين في مرتفعات الأندي وإلى شمال دارفور .

ثم يجد علماء اللغات تشابها ملحوظاً بين اللغات النوبية النيلية، وبين اللغات المستعملة لدى الميدوب والبرقد والمراريت . في شمال دارفور ووسطها. وكان الأثري أركل قد توصل إلى الإقتناع بامتداد النفوذ النصراني النوبي حتى مرتفعات التبستي والأندي في شمال تشاد، وإلى عين فرح بشمال دارفور، وذلك عبر واحة سليمة، وعبر وادي المقدم ووادي الملك . وقد ساند الأثري شيني (Shinne) هذه البيانات عند اركل وإن كان قد تحفظ على دلالتها. فشيني يرى أن الآثار المبنية بالطوب الأحمر، والممتدة مواقعها على شريط يعبر من النيل غرباً، فيضم جبل عودون وجبل زنكور وجبل أبي سفيان بشمال كردفان، ثم آثار شمال دارفور في أوري وعين فرح، فآثار بحر الغزال في شمال تشاد، وحتى الطرف الشرقي من إقليم برنو المحاد لنيجيريا، كل هذه الآثار قد تدل على انتشار بشري وثقافي مصدره بلاد النوبة وقد تم في العصر الوسيط . ويتفق كل من شيني وأوفاهي على أن الفخار الذي وجد في عين فرح بشمال دارفور، وفي كورو تورو بشمال تشاد، يؤكد على الأقل وصول الأثر التجاري النوبي إلى تلك البقاع بين القرنين الثامن والحادي عشر الميلادي، ذلك إن لم يدل على استطيان نوبي واصل إلى هناك .

وتلقى هذه القرائن الأثرية واللغوية تساوقاً هاماً مع بعض ما في المصادر العربية والأوربية. فالأخذ بالتعرف على أوري بشمال دارفور في أري التي ذكرها بن عبدالظاهر حوالي عام 692هـ / 1292م دولة تابعة لمملكة علوة النصرانية النيلية، يعد ربطاً أساسياً بين دليلي الآثار والوثائق العربية. وإلى جانب هذه، فالتراث الشفهي في دارفور يتفق تماماً على أن الآثار الباقية في أوري وعين فرح ترجع إلى ملوك التنجر . ولهذا فان الجمع بين الدلائل السابقة، وهذا التواتر في الروايات الشفهية يمكن أن يعني ان حكم التنجر ذوي الأصل النوبي، قد استمر في دارفور حتى القرن السادس عشر الميلادي. كذلك دلت بعض المخلفات الشعائرية غير الإسلامية، التي شوهدت عند تنجر شمال دارفور في أوائل هذا القرن، على أن جذورها قد تنبع من طقوس نصرانية هي في الغالب نوبية المصدر .

ويأتي وصف الجغرافي الإيطالي لونزو دانانيا لأوري وممتلكاتها الفرعية في حوالي عام 1580م فيوحي بأبعاد الانتعاش والسيادة ذات الطابع الامبراطوري، التي أصابتها مملكة التنجر عن طريق إخضاع الكيانات الدارفورية الصغرى لسيطرتها، وترسيخ التجارة بعيدة المدى مع الأتراك العثمانيين وعملائهم في القاهرة . ثم تجيء وثيقة الوقف القاهرية للسلطان شاو التنجراوي تنظر في الملاحق، على الرغم من حاجتها للتحقيق، لتمنح هذه الملاحظات قوة وثباتاً. هذا وقد أكدت الاكتشافات الأثرية بموقع عين فرح، أن بضائع من البندقية والهند قد جاءت خلال الفترة بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلادي إلى شمال دارفور . وورد أيضاً في محاضر المحاكم القاهرية للفترة من 1609م إلى 1612م إشارة إلى رقيق نسبوا إلى التنجر، وطناً أو عرقاً، وربما إشارة للتجار الذين نقلوهم إلى الأسواق المصرية. ثم توفر حاشية على كتاب نهاية الارب للنويري مؤرخة في حوالي عام 1657- 1658م أخباراً عن (جلابة) أو تجار الفور والتنجر الذين يسافرون إلى دار صليح (أي وداي التشادية) وقد وصف الخبر تلك البلاد بأنها قريبة عهد بالإسلام، كما يستطرد بأن أولئك التجار يصلون إلى برنو حول بحيرة تشاد. حتى إذا كان عام 1663م كتب الرحالة الدومنيكي فانسليب (Vanslip) مشيراً إلى ذهاب القوافل غرباً من القاهرة إلى بلاد الفور. وتكون هذه دلالة بينة على التغير الذي طرأ على السلطة في دارفور، نحو مرحلتها الثالثة، وهي عصر هيمنة الكيرا الفوراويين.

هناك احتمال متين بأن النسبة إلى التنجر في المحاكم القاهرية (1609) 1612م) وفي تشخيص التجار (الجلابة) المسافرين إلى دار صليح وبرنو عند النويري، يمكن أن يغلب عليهم عنصر التعميم والتساهل المخل بالتمييز بين عهود النفوذ السياسي في دارفور، كما يخل بالدقة المطلوبة في توصيف الذاتيات السلالية لسكان الإقليم وبعد ذلك. وهذا من شأنه أن يجعل الواصفين في القاهرة يومئذ، لا يحرصون على مراعاة الحدود الزمنية بين هيمنة التنجر والكيرا بدارفور، ومن ثم لا يتأكدون من الانتماءات العرقية الصحيحة للرقيق والتجار الذين يلقونهم وهكذا تنعكس على المصادر الوثائقية الفائقة الانتقالية بين سيطرة التنجر، وسيطرة الفور الضبابية نفسها الملحوظة في مصادر التراث الشفهي للحقبة نفسها. ان هدفنا إلى تحديد هذه الحقبة التي نعتناها بالضبابية الفترة الواقعة بين حوالي عام 1580م وهو تاريخ ملاحظات دانيا عن مملكة أوري، وتسندها وثيقة الوقف الخاصة بالسلطان شاو، وبين عام 1650م وهو تاريخ تملك أول سلطان لأسرة الكيرا الفوراويين المدعو سليمان سولونقا (أي العربي، بلغة الفور . هناك اتفاق واضح في روايات الشفهية المجموعة من دارفور، مع ما يظهر في ملاحظات الرحالة ناختيقال القائلة بأن اسم شاو دور شيد يختم دائمًا سلاسل الملوك التنجر الحاكمين في دافور . ويمكن مثلث وثيقة الوقف القاهرية الخاصة بالسلطان التنجراوي شاو، بعد تحقيقها، سنداً هاماً لمزاعم هذا التواتر الشفهي. ولما كان سليمان سولنقا ينتمي إلى فترة تسلط الكيرا الفوراويين، فإن ذلك يساهم في السبعين الواقعة بين التاريخين السالفين ( 1580و 1650م)، هي التي تحدد الزمان الذي تم فيه انتقال السلطة السياسية في دارفور، من التنجر إلى الكيرا. ولأن الأعراب كما توضح وثيقة القلقشندي لعام 794/ 1392، كانوا قد ظهروا في حزام الساحل الصحراوي الأفريقي لحوالي قرن أو يزيد، قبل الحقبة التي حددناها لانتقال السلطة الدار فوراوية من التنجر إلى الكيرا، فان الافتراضين يتوازنان حول إمكانية دخول فرد أو جماعة من بني هلال، في إحدى الأسرتين الحاكمتين بدارفور خلال تلك المدد، إما في التنجر وإما في الفور.))

الفيديو المرفق: من صفحة رابطة ابناء التنجر العالمية
https://www.facebook.com/share/v/17TBUpgSm3/

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى