مقالات واراء

السلاح الكيميائي في السودان من جيش النظام إلى جيش الدولة معركة إعادة بناء العقيدة العسكرية

سعد منقلا/المحامي

هناك لحظات في تاريخ الشعوب لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد أحداث عابرة.

نجد أن استخدام السلاح الكيميائي ـ والأدلة المتداولة بشأنه ـ ليس مجرد واقعة عسكرية أخرى في حرب السودان، وإنما سؤال كبير عن طبيعة المؤسسة التي اتخذت قرار استخدام هذه الوسيلة، والعقيدة التي تحكمها والحدود التي يفترض أن تقف عندها القوة العسكرية عندما تتعارض الأوامر العسكرية مع القانون
فالسلاح الكيميائي لا يبدأ لحظة سقوط القنبلة أو انتشار الغاز.
إنه يبدأ قبل ذلك بكثير: عند الفكرة وعند القرار وعند التخطيط، وعند توفير الوسيلة وعند إصدار الأمر وعند معرفة القيادات بما يجري.
ومن هنا فإن قضية السلاح الكيميائي في السودان يجب ألا تُختزل في سؤال: من أطلق السلاح
بل يجب أن تمتد إلى سؤال أكثر عمقاً:
كيف أصبحت مؤسسة يفترض أن تحمي الدولة والمواطن مستعدة لاستخدام وسيلة حظرتها القوانين الدولية
وهذا السؤال يقودنا بالضرورة إلى سؤال أوسع عن علاقة الجيش بالسياسة وعن العقيدة التي حكمت المؤسسة العسكرية السودانية لعقود منذ تاريخ إنشاء الجيش ومنذ تلك اللحظة التي اختلط فيها الجيش بالمشروع السياسي.
وفي 30 يونيو 1989 أطاح انقلاب عسكري بالحكومة المنتخبة برئاسة الصادق المهدي، ووصل عمر البشير إلى السلطة في انقلاب ارتبط بصورة وثيقة بالجبهة الإسلامية بقيادة حسن الترابي.
والانقلاب لم يكن مجرد تحرك عسكري معزول بل كان للمشروع الإسلامي السياسي دور أساسي في هندسته وتنفيذه، كما شارك عدد من الضباط الإسلاميين داخل القوات المسلحة في العملية.
ومنذ ذلك التاريخ دخل السودان مرحلة استمرت ثلاثة عقود، أُعيد خلالها تشكيل الدولة بما فيها مؤسساتها الأمنية والعسكرية بما يخدم نظام الحركة الإسلامية.
وهنا تكمن المشكلة التاريخية.
عندما تتحول المؤسسة العسكرية من مؤسسة للدولة إلى مؤسسة مرتبطة بمشروع سياسي، فإن الخطر لا يكمن فقط في الانقلاب على السلطة المدنية وإنما في تغيير مفهوم الولاء نفسه.
فالجيش المهني يفترض أن يكون ولاؤه:
للدستور، للدولة، للشعب، وللقانون.
أما الجيش المسيس فإن الخطر أن يتحول الولاء تدريجياً من الدولة إلى النظام، ومن الدستور إلى السلطة، ومن المصلحة الوطنية إلى المشروع السياسي.
وهذا ما يجعل إرث الثلاثين عاماً من حكم الإسلاميين قضية تتجاوز الأشخاص الذين حكموا السودان إنها قضية إعادة بناء المؤسسة نفسها.
يجب أن يكون الجيش جيش الدولة السودانية ولكن الإسلاميين اختطفوا مؤسسة الجيش
من المهم هنا أن نكون دقيقين.
لأن المشكلة التاريخية هي أن الحركة الإسلامية نجحت في اختراق مؤسسات الدولة والأمن والقوات المسلحة وربطها بالمشروع السياسي للحركة الإسلامية.
فالجيش المهني شيء والنظام السياسي الذي يستخدم الجيش لحماية مشروعه شيء آخر.
والدولة شيء، والحزب الذي يستولي على الدولة شيء آخر.
والعقيدة العسكرية المهنية، عقيدة حماية الوطن، شيء والعقيدة السياسية عقيدة حماية النظام والأيديولوجية شيء آخر.
وهذه التفرقة ضرورية إذا أردنا فعلاً بناء سودان جديد.
وعلى مدى ثلاثين عاماً لم تكن المشكلة في السودان مجرد بقاء نظام سياسي في السلطة.
المشكلة كانت في إعادة تشكيل الدولة وفق تصور أيديولوجي.
وفي ظل هذا السياق شهد السودان حروباً طويلة وانتهاكات واسعة، وأصبحت المؤسسة العسكرية جزءاً من منظومة سياسية وأمنية.
وعندما تصبح المؤسسة العسكرية طرفاً في الصراع السياسي، فإن الحدود بين:
الدولة والنظام،
والجيش والحزب
والأمن السياسي والأمن الوطني
والعدو العسكري والخصم السياسي،
تبدأ في الانهيار.
وهنا يمكن فهم خطورة استمرار العقائد القديمة حتى بعد سقوط النظام.
فإسقاط الحاكم لا يعني بالضرورة إسقاط البنية التي أنتجت الحاكم
والتغيير السياسي الحقيقي لا يكتمل إذا بقيت المؤسسات التي حكمت بعقلية الدولة الأيديولوجية تعمل بالعقيدة نفسها.
السلاح الكيميائي.. عندما تصبح العقيدة سؤالاً جنائياً
وقد ظهر تقرير أكثر خطورة.
فقد أعلنت الولايات المتحدة في 2025 أنها خلصت إلى أن القوات المسلحة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية في النزاع، وفرضت إجراءات عقابية على قيادة الجيش، كما شهد تصعيداً في المطالب الدولية بالتحقيق والوصول إلى المواقع ذات الصلة.
وفي سبتمبر 2026 ظهرت تقارير صحفية جديدة استندت إلى وثائق وصور ومقاطع واتصالات قالت إنها تشير إلى تطوير واستخدام ذخائر تحتوي على الكلور من جانب القوات المسلحة السودانية خلال الحرب. وهذه التقارير تتحدث عن اختبارات لذخائر وإمدادات وتخزين واستخدام للكلور كسلاح.
كما سبقت ذلك تحقيقات صحفية تحدثت عن أدلة قوية على استخدام الكلور كسلاح قرب مصفاة الجيلي في سبتمبر 2024.
من الناحية القانونية، هذه تقارير بالغة الخطورة.
لماذا السلاح الكيميائي مختلف
لأن المجتمع الدولي لم يترك مسألة الأسلحة الكيميائية للموازين العسكرية
اتفاقية الأسلحة الكيميائية تحظر تطوير وإنتاج واقتناء وتخزين والاحتفاظ بالأسلحة الكيميائية، كما تحظر استخدامها والاستعداد العسكري لاستخدامها والمساعدة أو التشجيع أو الحث على القيام بالأنشطة المحظورة.
وهذا يعني أن القضية ليست فقط:
هل تم إطلاق الغاز
بل:
تم تطوير السلاح؟
تم تجهيزه؟
تم تخزينه؟
تم اختباره؟
تم نقله؟
صدرت أوامر باستخدامه
من شارك في ذلك؟
ومن كان يعلم
ومن امتلك سلطة إيقافه
السلاح الكيميائي لا يمكن أن يكون «قراراً ميدانياً».
بل يجب أن يشمل كل من له علاقة بالمؤسسة العسكرية.
ولهذا فإن المسؤولية يجب أن تبحث في السلسلة التي أنتجت القرار:
من أصدر الأمر؟
من وافق؟
من جهز؟
من نقل؟
من نفذ؟
من علم؟
ومن حاول إخفاء الأدلة
اتفاقية الأسلحة الكيميائية ليست وجهة نظر سياسية.
السودان دولة طرف في اتفاقية الأسلحة الكيميائية ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية هي الجهة الدولية المتخصصة في تنفيذ الاتفاقية والتحقق من الالتزام بها كما أن المنظمة سبق أن تعاملت مع ادعاءات استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان بما في ذلك ادعاءات ظهرت بشأن دارفور منذ عام 2016.
ولهذا يجب أن تعمل على الاستفادة من الخبرة الفنية للمنظمة.
نحن لا نحتاج إلى محكمة إعلامية.
ولا نحتاج إلى حملات سياسية.
ولا نحتاج إلى روايات متضاربة.
نحتاج إلى:
العينات
المختبرات
الأدلة الجنائية
الصور والأقمار الصناعية
الذخائر،
شهادات الضحايا
شهادات الخبراء
سجلات العمليات
الأوامر العسكرية
وسلسلة القيادة
ومعظمها أو كلها ذُكرت في التقارير المتداولة.
لكن السؤال الأكبر: أي جيش نريد
هنا نصل إلى جوهر القضية.
السؤال السوداني لا ينبغي أن يكون فقط:
هل استخدم الجيش السلاح الكيميائي؟
بل
أي جيش نريد للسودان
هل نريد جيشاً يحمي نظاماً سياسياً أم جيشاً يحمي دولة
هل نريد جيشاً تحكمه أيديولوجيا أم جيشاً تحكمه عقيدة مهنية
هل نريد جيشاً يتدخل في السياسة أم مؤسسة عسكرية تخضع للسلطة المدنية الدستورية
هل نريد جيشاً يعتبر المواطن خصماً عندما يعارض السلطة أم جيشاً يرى المواطن سبباً لوجوده
هذه ليست أسئلة هامشية.
إنها أسئلة تأسيسية للدول السودانية الجديدة.
السودان يحتاج إلى جيش مهني.. لا إلى جيش حزبي
إن بناء جيش جديد لا يعني إضعاف الجيش.
على العكس.
إعادة بناء الجيش على أسس مهنية هي الطريق الحقيقي لإنقاذ الجيش.
فالجيش المهني القوي ليس هو الجيش الذي يسيطر على السياسة بل الجيش الذي يكون قوياً في حماية الحدود والدفاع عن البلاد وتنفيذ القانون والالتزام بالقواعد العسكرية والإنسانية.
والجيش المهني لا يحتاج إلى حزب يحميه.
ولا يحتاج إلى أيديولوجيا تمنحه الشرعية.
شرعيته تأتي من:
الدستور والقانون والشعب.
نحو عقيدة عسكرية سودانية جديدة
السودان يحتاج إلى مراجعة جذرية للعقيدة العسكرية.
عقيدة جديدة تقوم على مجموعة مبادئ واضحة:
أولاً: الولاء للدولة لا للحزب
لا يجوز أن تكون القوات المسلحة أداة لأي حزب أو جماعة سياسية.
ثانياً: حماية الدستور
الجيش مؤسسة دستورية وليس بديلاً عن المؤسسات المدنية.
ثالثاً: احترام حقوق الإنسان
حقوق الإنسان والشعوب ليست عائقاً أمام الأمن بل جزء من الأمن.
رابعاً: الالتزام الصارم بالقانون الدولي الإنساني
الانتصار العسكري لا يبرر الجريمة.
خامساً: تحريم الأسلحة المحظورة
لا يمكن لأي عقيدة عسكرية أن تسمح باستخدام أسلحة حظرها القانون الدولي.
سادساً: المساءلة
الجندي والضابط والقائد والمسؤول السياسي كل منهم يخضع للقانون وفق مسؤوليته التي تثبتها الأدلة
سابعاً: عدم التدخل في السياسة
الجيش يحمي النظام الدستوري ولا يصنع النظام السياسي.
لا يكفي تغيير القادة.. يجب تغيير الثقافة المؤسسية
نحن بحاجة إلى مراجعة:
مناهج التدريب.
العقيدة العسكرية.
نظم الترقي.
معايير التعيين.
آليات الرقابة المدنية.
القضاء العسكري.
الاستخبارات العسكرية.
قواعد استخدام القوة.
التعامل مع المدنيين.
والالتزام بالقانون الدولي الإنساني.
كما يجب إخضاع المؤسسة العسكرية لرقابة دستورية ومدنية حقيقية بحيث لا يستطيع أي حزب أو جماعة أو قائد أن يحول الجيش إلى أداة لحماية مشروعه السياسي.
من «جيش النظام» إلى «جيش الدولة»
هذه هي المعركة الحقيقية.
ليس الهدف تدمير الجيش.
وليس الهدف إضعاف المؤسسة العسكرية.
وليس الهدف الانتقام من الجنود.
الهدف هو تحرير الجيش من السياسة.
تحريره من الأيديولوجيا.
تحريره من الشخصنة.
تحريره من الولاءات الحزبية.
وإعادته إلى مكانه الطبيعي:
مؤسسة مهنية تحت سلطة الدولة الدستورية.
فالجيش الذي يخضع لحزب قد يحمي الحزب.
أما الجيش الذي يخضع للدستور فإنه يحمي الوطن.
لا يمكن بناء السودان الجديد بجيش قديم العقلية
إذا كان السودان يريد فعلاً بناء دولة جديدة، فلا يمكن أن يحمل مؤسسات الدولة القديمة بعقيدتها القديمة إلى الدولة الجديدة.
ولا يمكن أن نطالب بالديمقراطية ونترك المؤسسة العسكرية فوق الدستور.
ولا يمكن أن نتحدث عن حقوق الإنسان بينما تبقى قواعد استخدام القوة تنتهك حقوق الإنسان الأساسية.
ولا يمكن أن نتحدث عن دولة القانون بينما يظل القائد العسكري بمنأى عن المساءلة.
ولا يمكن أن نطالب المجتمع الدولي باحترام سيادة السودان بينما لا نحترم نحن القواعد الدولية التي تحكم الحرب.
السلاح الكيميائي يجب أن يكون نقطة تحول
فإن الأمر يجب ألا ينتهي بعقوبات على بعض الأشخاص فقط.
بل يجب أن يكون نقطة تحول في بناء المؤسسة العسكرية السودانية.
لأن السؤال سيكون أكبر من:
من استخدم السلاح؟
سيكون:
ما الذي جعل استخدامه ممكناً
وما هي العقيدة التي سمحت به
ومن هي المؤسسات التي سمحت بمروره؟
وكيف تمكنت منظومة عسكرية من إنتاج أو تخزين أو استخدام سلاح محظور؟
ومن فشل في الرقابة
ومن فشل في المحاسبة
وهل كانت هناك ثقافة مؤسسية تعتبر الانتصار العسكري أهم من القانون
هذه الأسئلة يجب أن تكون جزءاً من مشروع بناء الجيش.
هذا هو الجيش الذي نريده للسودان.
ختاماً
علينا أن نذهب إلى الجذر.
فالسودان لا يحتاج فقط إلى إيقاف الحرب بل يحتاج إلى إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والجيش.
ومنذ تاريخ إنشاء الدولة السودانية دفع السودانيون ثمناً باهظاً واليوم بعد كل هذا الخراب لم يعد مقبولاً أن يبقى الجيش رهينة لأي مشروع أيديولوجي أو سياسي.
نحتاج إلى جيش جديد بعقيدة جديدة:
جيش يحمي الشعب لا السلطة.
جيش يحمي الدستور لا الحزب.
جيش يحمي الحدود لا المصالح السياسية.
جيش يحترم القانون الدولي الإنساني.
جيش لا يستخدم الأسلحة المحظورة.
جيش لا ينقلب على الإرادة الشعبية.
وجيش يعرف أن قوته الحقيقية لا تأتي من قدرته على إخضاع الشعب وإنما من ثقة الشعب فيه.
فإذا كان السودان يريد أن يبدأ عهداً جديداً فعليه أن يبدأ من هنا:
جيش مهني قومي خاضع للسلطة المدنية الدستورية،
ومبني على عقيدة مهنية جديدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى