الجميل الفاضل يكتب: سؤال المبتدأ، جواب الخبر؟! مدني هل تواري “اللو”، أم تفتح أبوابها لشياطين الحرب؟!

ماذا في الوراء؟
هذه المدينة ساحرة أم مسحورة؟!
يبدو أننا قد بلغنا ذروة المظهر العبثي لهذه الحرب، في أن قائدا واحدا دخل الي ذات المدينة في غضون عام واحد، فاتحا مرتين، مرة علي رأس قواته عدوته اليوم، التي كانت تقاتل قواته صديقته اليوم، في ديسمبر من العام (23)، ثم ليدخلها اليوم علي رأس قواته التي كانت عدوته أمس، ضد قواته صديقة الأمس ذاتها أيضا.
هي تقلبات لا يصدقها عقل تذكرني بقصة الكاتب الفرنسي أوجين يونيسكو مؤلف مسرحية “الخراتيت” التي جرت وقائعها في مدينة صغيرة، تحكي عن كائنات ممسوخة أثارت رعب السكان بها وبتنامي مستمر، قبل ان تميط المسرحية في آخر فصولها اللثام، عن أن كل هذه الخراتيت المزعجة، التي أقضت مضاجع الناس في المدينة، ما هي الا كائنات بشرية مثلها مثلهم، غير أنها قد شربت من نهر أحالها الي مسوخ مشوهة.
وفي ذات السياق للكاتب المصري توفيق الحكيم قصة عنوانها “نهر الجنون”، تقول:
“يُحكى أن طاعون الجنون نزل في نهرٍ يسري في مدينة، فصار الناس كلما شرب منهم أحدٌ من النهر يصاب بالجنون، وكان المجانين يجتمعون ويتحدثون بلغةٍ لا يفهمها العقلاء.
واجه الملك الطاعون وحارب الجنون.
حتى إذا ما أتى صباح يوم استيقظ الملك، وإذ الملكة قد جنّت، وصارت الملكة تجتمع مع ثلةٍ من المجانين تشتكي من جنون زوجها الملك.
نادى الملك بالوزير: يا وزير، الملكة جنّت.
أين كان الحرس؟.
الوزير: قد جنّ الحرس يا مولاي.
الملك: إذن اطلب الطبيب فوراً.
الوزير: قد جنّ الطبيب يا مولاي.
الملك: ما هذا المصاب، من بقي في هذه المدينة لم يجن؟.
ردّ الوزير: للأسف يا مولاي، لم يبقَ في هذه المدينة مَن لم يجن سواك وأنا فقط.
الملك: يا الله.
أأحكمُ مدينة من المجانين.
الوزير: عذراً يا مولاي، لكن المجانين يدّعون أنهم هم العقلاء، ولا يوجد في هذه المدينة من مجانين سوى أنت وأنا.
الملك: ما هذا الهراء؟، هم من شرب من النهر، وبالتالي هم من أصابهم الجنون.
الوزير: الحقيقة يا مولاي هم يقولون إنهم شربوا من النهر لكي يتجنبوا الجنون، لذا فإننا مجنونان لأننا لم نشرب.
ما نحن يا مولاي إلّا حبّتا رملٍ.
الآن هم الأغلبية.
هم من يملكون الحق، والعدل، والفضيلة.
هم الآن من يضعون الحد الفاصل بين العقل والجنون.
فقال الملك: أغدِق عليّ بكأسٍ من نهر الجنون.
الجنون أن تظلّ عاقلاً في دنيا المجانين.
هناك وقف الوزير بعد أن جنّ الملك واتّهمه بالجنون.
وقف ليفكّر في أمره، ماذا يختار؟.
الجنون ليحيا بهدوء، أم العقل ليحيا بكرامة”.
ثم بعد كل هذا الجنون، الذي يسمي “حرب كرامة”، تري هل لنا أن نقول أن “مدني”، قد تحررت بهذه الطريقة، من يد محتلها الأول اليمني، علي ذات يد محتلها الأول اليسري، أم أن الصحيح أن نقول أنها قد سقطت هكذا مرتين؟.
المهم فإن دخول “مدني” الثاني علي خط الحرب من جديد، لن يكون في ظني كخروجها الأول عن خدمة السلم، لكن ظاهرة إختفاء الجيوش المفاجيء في مدني وعنها، ربما يطرح هو سؤالا يقول: في أي من جيوبها تخبيء هذه المدينة الساحرة أو المسحورة.. لا أدري، عن الأنظار كل هذا الكم الهائل من الجيوش الهاربة، في الظلام، وكيف؟.
علي أية حال مثيرون للشفقة هؤلاء الذين خرجوا مزهوين بنشوة نصر، بطله في الحالين واحد، سعيدين مصفقين ومهليين، لمن ابدع مثل هذه المسرحية التي تمتلك قدرة ان تنقل الناس، من وهم الي وهم، الي واقع هو ذاته واهم، ليس بالطبع للعقول إليه من سبيل.
لمن كانت الكلمة؟!
بين قوة الجذب، وسحر الواقع!!
إن واقعاً سحريا وأسطوريا، يتشكل الآن في “ود مدني” خاصة، أشار اليه قبل حين رجل من ذات المدينة، ظن الناس بعقله الظنون، فجاراهم الي ما أرادوا، بعد ان بلغ أمانته كما ينبغي، وكما أريد له، بيد أن كل ما كان يقول به الرجل “رماح” قد صار هو اليوم اقرب للواقع، أنظر كيف فسر مأذون آخر جانبا من أقوال “رماح”: “كلك فاو الفاو”.
-أي الناس ستتفرق وتختلف وتصبح بينهم عنصريات-.
ويفسر “كلك جاو الجاو”.
-ان الناس سيكونون في حالة نشاط وخطورة-،
وعن قول رماح: “الإسند آتوو”.
-تشبيه للرجال الذين لا يعملون لدنيا، ولا لآخرة-،
وقوله: “الأملاك آتوو”.
-تشبيه لحالة النهب والسرقة والتخريب-،
وعن عبارته الشهيرة: “كلك واري اللو”.
يقول المفسر: -الكل تخفي بالندم، والباطل-،
وعن: “دخل الكلي كو”،
يقول الشارح: – هو تعبير عن الخرق في الجدار، الذي يدخل منه الهواء والضوء، كناية عن الخراب-،
وقول رماح: “عجز الحافر آوو”،
يشرح -بمعني الصدع الذي يقود للتفرق والانشقاق-.
وبدا كأن مجذوبا يطوف شوارع المدينة،
يخيرهم بين “تلي” ولا “ولي”.
فقد كان الناس حوله يتضاحكون، ويرردون ما تخيروا من بين الفاظه الغامضة ما أختاروا، دون ان يكترثوا كثيرا لأنها ربما تكون خيارات جادة وان جاءت تحت افق ملبد بغيوم كثيفه، بل ربما أن خياراتهم قد جاءت تماشيا مع إيقاع الكلام وموسيقاه، أو لوعورتها فإنه يسهل علي الألسن الإتيان بآخرها علي الأقل.



