
«من الحكمة اليوم أن نفعل ما قد يفعله الآخرون غدًا.» — إيراسموس
«بِالفَشَل فِي الاسْتِعْدَادِ، فَإِنَّكَ تَسْتَعِدُّ لِلْفَشَلِ
بنجامين فرانكلين
يرى عدد من المحللين السياسيين أن الحرب التي تدور رحاها في إثيوبيا تُموَّل مصرياً وسعودياً وإريترياً وصومالياً، كما تلعب حكومة بورتسودان أدواراً في تسهيل تمرير العتاد الحربي إلى مقاتلي التغراي، من أجل خدمة مصالح عديدة في الإقليم، منها الحد من سيطرة الدعم السريع على النيل الأزرق بوصفه رافداً مائياً.
الحرب على الدعم السريع سابقاً، وجيش حكومة تأسيس لاحقاً، كانت منذ يومها الأول، وما زالت، تتخذ أبعاداً اقتصادية وفقاً لمصالح مصر، مثل السيطرة على طرق الصادرات، ومنع جيش تأسيس من السيطرة على الروافد النيلية، وإقحام إثيوبيا في حرب استهلاكية بأي ثمن.
وهذا يفسر لجوء البرهان مباشرة إلى البحر الأحمر، لأن العالم الآن يتنافس على المنافذ المائية. ولعل من أكبر الأخطاء الجسيمة التي ارتكبها الدعم السريع تفريطه في بورتسودان؛ فالرجل الذي سلّم بورتسودان على طبق من ذهب لجيش الحركة الإسلامية طعن مشروع التغيير في الخاصرة بمدية صدئة وثَلِمة.
وهذا يقودنا إلى مخاطر الدولة الحبيسة، وهو موضوع سنفرد له مقالاً منفصلاً.
قطعاً سينتصر آبي أحمد في حربه، وقد تتمدد هذه الحرب إلى العمق الإريتري. وهذا يفسر الهلع والخوف اللذين أصابا الجيش الإسلامي السوداني، الذي يسابق الزمن للسيطرة على شمال كردفان، كما حدث في سودري والمزروب؛ لأن جيش الحركة الإسلامية يعتمد بصورة مباشرة على مقاتلي التغراي في حربه ضد قوات الدعم السريع، مثلما حدث في كل من مدني وجبل مون والخرطوم.
إن انتصار آبي أحمد على التغراي ستكون كلفته باهظة على جيش تأسيس؛ لأن مقاتلي التغراي، بعد انحسارهم في إثيوبيا، وربما في إريتريا، سيتدفقون إلى السودان لمناصرة جيش الحركة الإسلامية السودانية. وهذا، بحسب هذا الطرح، شبيه بما حدث لحركات الارتزاق المسلح بقيادة مناوي عندما هزمها الدعم السريع، فاتجه مقاتلون منها إلى الحرب الليبية. وهذا يفسر، في رأيي، جزءاً يسيراً من عداء مناوي للدعم السريع وكل ما يمت إليه بصلة.
لذلك، تحتاج قوات تحالف تأسيس إلى «Contingency Plan»، أي خطة طوارئ أو خطة بديلة لمواجهة الظروف غير المتوقعة، على أن تتضمن تنسيقاً أمنياً وثيقاً مع إثيوبيا، والتعامل مع التهديد الذي يمثله مقاتلو التغراي. وهذه المسألة تحتاج إلى مستوى عالٍ من التنسيق الأمني والعسكري والاستخباراتي في منطقة القرن الأفريقي ككل.
كما يقتضي الأمر تعزيز التنسيق بين الدول المشاطئة للنيل ودول منابعه، باستثناء مصر، وتفعيل اتفاقية مياه النيل بصيغتها الجديدة، وخصوصاً بين الدول المناوئة للصيغة السابقة لاتفاقية مياه النيل التي ترى أنها تخدم المصالح المصرية.
وسيكون للأمن السوداني والإثيوبي، وفق هذا التصور، ارتباط وثيق بحكومة تأسيس؛ كما أن الأمن القومي السوداني، في إطار مشروع «السودان الجديد»، يرتبط بعلاقة السودان مع إثيوبيا.
ولو خُيّرت، لأرسلت جنود الدعم السريع المقاتلين في السعودية إلى جبهات القتال في إثيوبيا بدلاً من الرياض؛ فلبيت الله رب يحميه.
لكن الأمن القومي الإثيوبي، من وجهة نظري، أكثر أهمية لمشروع تأسيس من أمن السعودية.
خالد عبيد
لندن
03/10/2026


