مقالات واراء

مصر والتدخل السافر في الشأن السوداني: حين يتحول الاختراق الأمني إلى سياسة دولة

بقلم: عمار سعيد

مدخل استخباراتي

في عالم الاستخبارات، لا تُقرأ الأحداث منفصلة، ولا تُفهم الوقائع بمعزل عن سياقها الزمني. كل اختراق طويل الأمد يبدأ بخيطٍ رفيع، ثم يتحول مع الزمن إلى شبكة نفوذ، قبل أن يُعاد تعريفه سياسيًا بوصفه “أمرًا واقعًا”. هكذا يمكن قراءة الدور المصري في السودان: ليس كتدخل عابر، بل كعملية مركبة ممتدة لعقود.

أولًا: الاحتلال الصامت – حلايب وشلاتين نموذجًا

احتلال مصر لمثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد لم يكن نتيجة حربٍ نظامية ولا نزاع حدودي تقليدي، بل نتاج بيئة سياسية وأمنية سودانية مخترقة.
اللافت أن هذا الاحتلال تم دون مقاومة مؤسسية حقيقية، وفي ظل نظام كان يرفع شعارات “السيادة” و“المشروع الحضاري”، بينما كان عمليًا يسلم الأرض مقابل البقاء في السلطة.

هذا النمط لا يُفسَّر إلا بوجود تواطؤ داخلي، أو على الأقل، تعطيل متعمد لأي رد سيادي، وهو ما يفتح الباب للسؤال الأهم: من كان يتحكم فعليًا في مفاصل القرار الأمني؟

ثانيًا: جهاز الأمن السوداني… من مؤسسة سيادية إلى ساحة اختراق

تاريخيًا، تُعد أجهزة الأمن الهدف الأول لأي جهاز مخابرات خارجي يسعى للنفوذ. وفي الحالة السودانية، تتراكم المؤشرات على اختراق مصري عميق لجهاز الأمن والمخابرات منذ التسعينيات:
• تسهيلات سياسية وأمنية غير مبررة.
• تغييب ملفات حساسة من التداول الرسمي.
• والأكثر دلالة: وجود ثلاثة من مديري جهاز الأمن والمخابرات السوداني السابقين مقيمين في مصر مع أسرهم، دون أي مساءلة أو تحفظات.

في الأعراف الاستخباراتية، هذه ليست “صدفة جغرافية”، بل علامة ارتباط.

ثالثًا: الإخوان المسلمون – من تنظيم عابر للحدود إلى أداة وظيفية

لطالما قُدِّم تنظيم الإخوان المسلمين في السودان كفرع مستقل، غير أن الوقائع تشير إلى العكس.
منذ مذكرة العشرة، مرورًا بـ“المفاصلة”، اتضح أن الصراع لم يكن فكريًا بقدر ما كان إعادة توزيع أدوار داخل شبكة واحدة.

الأخطر هنا أن التنظيم – المصنف دوليًا ضمن قوائم الإرهاب – لم يعمل ضد المصالح المصرية يومًا، بل خدمها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، حتى كاد المشهد يوحي بأن هذا التنظيم لم يكن جزءًا من “تنظيم عالمي”، بل خلية وظيفية مرتبطة بالأمن المصري.

رابعًا: محاولة اغتيال مبارك… العملية التي أعادت رسم الخريطة

محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995 تُعد نقطة تحول مفصلية.
رغم الرواية الرسمية، فإن تحليلات متعددة – إعلامية وأمنية – ذهبت إلى أن العملية استُخدمت كأداة ضغط استراتيجية:
• فرض عقوبات دولية على السودان.
• تبرير العزلة السياسية.
• تمهيد الطريق لاحتلال مناطق حدودية.
• والتخلص من شخصيات إسلامية “أصبحت عبئًا”.

هذه القراءة لم تصدر فقط عن معارضين، بل أُشير إليها صراحة في تصريحات من داخل بيت الإسلاميين أنفسهم.

خامسًا: شهادة الترابي… حين ينطق العارف

في لقاء موثق مع قناة الجزيرة، قدّم حسن الترابي رواية صادمة عن طبيعة العلاقة، ملمحًا إلى أن كثيرًا من “الأخطاء الكبرى” لم تكن أخطاء، بل عمليات محسوبة.

قيمة هذه الشهادة لا تكمن في مضمونها فقط، بل في مصدرها: الرجل الذي كان في قلب الدائرة، ثم أُقصي منها.

سادسًا: من الاختراق إلى الحرب بالوكالة

اليوم، لا يبدو المشهد منفصلًا:
• دعم سياسي وعسكري غير معلن.
• صمت مصري عن الجرائم.
• خطاب “حماية مؤسسات الدولة” كغطاء لتصفية خصوم.

كلها مؤشرات على أن ما يجري ليس دفاعًا عن السودان، بل إدارة للصراع بما يخدم الأمن القومي المصري، ولو على حساب وحدة السودان واستقراره.

في الاستخبارات، يُقال: من أمن العقاب، أساء الأدب.
ومصر – في الحالة السودانية – تصرفت لسنوات على هذا الأساس: لا محاسبة، لا ردع، لا تكلفة سياسية.

لكن الثابت أن الاختراق مهما طال عمره، ينكشف في النهاية. وما كان يُدار في الغرف المغلقة، أصبح اليوم مادة للتحقيق، والتوثيق، والمساءلة.

والسؤال لم يعد: هل تدخلت مصر؟
بل: إلى متى سيُدار السودان كملف أمني في أدراج الآخرين؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى