مقالات واراء

أثر الثقافة في تكوين الوعي ودورها في البناء الاجتماعي. (قراءة عن حالة السودان )

د. جمال عبد الحليم النور

الوعي كما أشرت اليه في مقال سابق بأنها قدرة الإنسان على ادراك زاته، وادراك العالم من حوله، وفهم العلاقة بينهما. وكما عرفها علي شريعتي( بأنها القدرة على ادراك البُنى الخفية التي تشكل الواقع)، اذاً تبقى السؤال ماهي البُنى الخفية التي شكلت الواقع السوداني المتأزم ؟ وكذلك ماهي المحيط التي أثرت في وعي الفرد والمجتمع؟.

البُنى الخفية المقصودة حسب انتقال الدولة السودانية، هي عبارة عن حجم التاَمر والخداع التي بنتها الدولة المركزية مابعد الاستعمار، في شكل قوالب وتصورات واوهام ايدلوجية جامدة وضيقة، لمنع المجتمعات الخارج عن سياقها المركزي، من النهوض وتحجيم دورها من إستقبال المفاهيم، والأفكار المستنيرة للوعي نحو التغيير الحقيقي.
اما المحيط التي أثرت في وعي الفرد والمجتمع، هي عبارة عن مجموعة العوامل الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والبيئية، المنمطة بتصورات ومفاهيم ايدلوجية التمركز، القائمة على العزل وابعاد المجتمعات المهمشة واعادة صياغتها وتشكيلها في الحقل القومي الزائف، والتي تحمل في طياتها مضامين التضليل والخداع.
لذلك حتى نتمكن من كشف البُنى الخفية، والعوامل المؤثرة في تكوين وعي الفرد والمجتمع، يجب التعرف على الثقافة ودورها في البناء الاجتماعي وتكوين الوعي.
إذاً الثقافة حسب عالم الاجتماع الانثروبولجي إدوارد تايلور ،( هي الكل المركب، الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن، والأخلاق والقانون والعادات، وكل القدرات والعادات الأخرى، التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في المجتمع)،لاحظ دنيس كوش، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ص30)، لذلك الثقافة وفق مفهوم تايلور، هي شيء مكتسب، يكتسبها الإنسان من خلال التعليم والمعرفة، والتداخل وسط المحيط المجتمعي بوصفه عضواً، مشبع بالقيم والعادات والتقاليد، وجميع التصورات المملوكة للمجتمع.
الا أن الثقافة تختلف في مفهومها من باحث لآخر، وتتباين من مجال معرفي لمجال معرفي آخر، حسب اختلاف التصورات الفكرية والمفاهيم الفلسفية لكل بيئة. والاختلاف الثقافي هي نتيجة طبيعية بسبب اختلاف المحددات الثقافية لكل عنصر ثقافي بما يحملها من محمولات داخلية، مشتركة، كاللغة، العادات والتقاليد، التاريخ، الآداب والفنون، اللون والأشكال المورفولوجية،..الخ.

لذلك المحددات الثقافية تسهم بشكل كبير، في تشكيل وعي الأفراد والمجتمعات وبنائها الاجتماعي، لأن اللغات الاجتماعية، هي أداة للتواصل والتفاهم، ونقل التجارب والمعارف، والثقافات بين أجيال اي مجموعة ثقافية محددة، كذلك المعتقدات الدينية، تسهم في توجيه سلوكيات المجتمع، نحو القيم النبيلة التي تؤثر في تكوين الوعي والضمير الجمعي، لاسيما الآداب والفنون، أيضآ تلعب دورا مهما وحيوياً، في صياغة الوجدان الجمعي ورفع مستوى الوعي للأفراد والمجتمعات ايجابياً، الأمر الذي يؤدي إلى التنافس الحر مع الثقافات الأخرى، وهي الطريق السليم لتحقيق التنمية والتطور.

وعلى النقيض، المحددات الثقافية، إذا تم استغلالها بشكل سلبي في ظل التعدد والتنوع الثقافي، فأنها تقود إلى التناحر والجدل الثقافي، مما يؤدي الى تدمير الوعي الاجتماعي الإيجابي، ويعزز للانحراف السلوكي، ويقود إلى تنميط عقول الأفراد والمجتمعات، بشكل تهدد التفاعل بينهما، ومع الآخرين في البيئة الواحدة مما يعزز لمفهوم عدم قبول الاخر، فتصبح الوضعية مختلة قائمة على الجدل والتناحر الثقافي السلبي.
لاحظ حركة انتقال الدولة السودانية ما بعد الاستعمار، كيف تم صهر وتذويب المحددات الثقافية لمجتمعات الهامش، واستيعابها بشكل مخل في بوتقة انصهار المركز؟.

ملاحظة أولى: مأزق بنت الهامش بسبب اللون.

المركز بصدد فرض تفوقها العنصري، فرضت مفاهيم و تصورات أحادية، واستغلت أدوات الدولة كالاعلام( الإذاعة والتلفزيون )، على سبيل المثال، لتنفيذ تلك التصورات والمفاهيم، بالذات فيما يتعلق بلون البشرة. وهنا نشير لمأزق بنت الهامش. لأن المركز استخدم اللون كواحد من المحددات الثقافية، في صراعها ضد مكونات الهامش، لتشويه الهامش واعادة تشكيله وصياغه، بشكل مخل تصل لدرجة كره الذات.

وفي هذا السياق تم تقسيم البشرة من حيث القبول الى (اللون الأبيض أو الأحمر)، بأنها اللون الفاتح المقبول وتمثل معياراً للتفوق والجمال،( وهنا تكمن الفخ ).

أما من حيث الرفض كلما كان البشرة مائلاً الى السواد فتسمى باللون الأزرق تارةً، وتارةً أخرى، تسمى باللون الأسود الداكن، فأنها توصف احتقاراً بأنها تمثل لون القبح والعار، غير مرغوب فيه اجتماعيا، تصل لدرجة الاحتقار، والنبذ، فقط لان لونك مندرج تحت تلك التصنيف الذي كرستها المركز بدوافع الحط والنيل من قيمة المجتمعات الزنجية والتقليل من شأنها، لذلك كلما كان لون بشرتك أقرب لمجتمعات الجزيرة العربية او الدول المغربية، او بلاد الشام، فأنت رمز الجمال ومقبول اجتماعياً ومرغوب فيك، وكلما كان لون بشرتك أقرب إلى السواد فأنت في سلم العار والاحتقار والتقليل من الشأن تصل لدرجة القبح توصف بالعبد للرجال ، للنساء من ذات الجنس بالخادمات.

وبنت الهامش المغلوبة على أمرها، حتى تتمكن من استيفاء شروط الغالب المفروض عليها، جراء ايدلوجية التمركز، القائمة على نفي لونها الأسود بأنها لون القبح والعار، وحتى تتمكن من تعويض زاتها المغلوبة، فسرعان ما تجتهد لتحويل وجهها الى بوتيك للسلخ لأن وجهها ما صارت مرغوبة، لأسباب تتعلق بالشروط، التي صممت لها بشكل مخل بدون وعي منها استجابةً لشروط الايدلوجية المفروض عليها، وكنتيجة لتعويض الخوف من المكانة الاجتماعية، والخوف من شرور تأخير الزواج (البورة)، وكذلك الخوف من المفاضلة والمنافسة الشديدة بسبب اللون وسط الشباب من نفس سلم الوعي، فأنها تضطر للالتزام بتزوير زاتها ارضاءاً لمعيار ايدلوجية الجمال الزائفة.

علاوة على ذلك أيضا تتمدد مأزق الفتاة اي بنت الهامش في تدهور ميزانية الأسرة، بسبب تخوفها المستمر من الشروط المفروض عليها بدون وعي منها بأن الجمال معيارها اللون المقبول وفق ايدلوجية التمركز، القائمة على الخداع والتشويه والتضليل .

هنا تكمن بيت القصيد!، لاحظ التشويه، على شاكلة، الجلق والبرط ومفاجئة الجيران، وطعنات حقن، كلها أساليب تستخدم لتعويض الخوف والنقص المفروض عليها من ايدلوجية التمركز، كحيلة لتحقيق شروط بوتقة الانصهار.

الملاحظة الثانية: مأزق اللغة.

اللغة كما أشرت اليه في صدر المقال بأنها، أداة للتواصل والتفاهم بين اي مجموعة ثقافية محددة تجمعهم تاريخ مشترك، او أصوات يعبَّر بها كل قوم عن أغراضهم. وبهذا تصبح اي مجتمع لديها تاريخ مشترك كانت بيناتهم تواصل، سواء عن طريق الرموز او الإشارات ثم أخذت منحاها التطوري إلى ان أصبحت أصوات منطوقة، ومكتوبة.
ومن الملاحظ أن اللغة العربية، دخلت إلى السودان بدخول العرب والاسلام، وجدت المجتمعات الأفريقية، بثقافاتها، وحضاراتها، فأستغلت طيبتهم، فسوقت نفسها بأنها لغة القرآن(لغةالقداسة)، ولغات المجتمعات الأفريقية، هي لغات غير مفهومة لهم وبالتالي تم وصفها بأنها لغات متخلفة، وغير مقبولة، لذلك تم وصفها بالرطانة، والرطانة حسب قاموس لسان العرب، تعني لغة الطير، اي الكلام الغير مفهوم، ومع تمرحل تكَّوْن ايدلوجية التمركز، وبشكل خاص الدولة مابعد الاستعمار البريطاني المصري، شن هجوماً عنيفاً وشرساً على اللغات الأفريقية، والحط من مكانتها، بل تم اختزالها بأنها رطانات، بدلاً من أنها لغات للتقليل من شأنها والنيل منها في سبيل في فرض اللغة العربية بالقوة، وصهر اللغات الأفريقية باعتبارها لغات متخلفة غير مرغوب فيها من قبل ايدلوجية التمركز.
لاحظ وسائل الإعلام في الفترة ما بعد الاستعمار، اشتغلت على أن كلما كان لسانك أقرب إلى لغة مجتمك (لغة الام)، فأنت رطاني غير مرغوب فيك في الإذاعة والتلفزيون، لماذا؟ الإجابة ترجع لسبب بسيط لأن لسانك غير مرغوب فيه ومرحب بيه في الوجه الحضاري لايدلوجية التمركز ( الاسلاموعروبي)، ولأن المركز تنبذك حتى وان تجيد اللغة العربية كتابتاً وفهماً ولكن غير قادر على نطقها، فأنت غير مقبول في الإذاعة والتلفزيون، لأنك رطاني خوفاً من تشويه صورة الإذاعة والتلفزيون.

والشيء الغريب والعجيب!، بأنُ المأزق الحقيقي في انسان الهامش نفسه، لأنه بلاوعي منه بقوم بوضع زاته في موقع العار، لأن معظم مجتمعات الهامش، يسمون لغاتهم رطانات، اي لغة الطير، والغريب حتى الذين تحصلوا لدرجات عليا من المعرفة تجدهم يندرجون في ذات المنحنى، ارضاءاً لايدلوجية التمركز بلاوعي منهم، وأحياناً يهربون من التحدث بلغاتهم أمام المثقفين من أبناء المركز، خوفاً من وصفهم بمتخلفين، وهنا تكمن المأزق الحقيقي في عقدة النقص عن طريق اللغة.

الملاحظة الثالثة: الآداب والفنون.

الآداب والفنون، تمثل الضمير الحي، والنابض لكل مجتمع، لأنهما تشكلان الوجدان، وتنعش الشعوب في مخيالها ووعيها الجمعي.
الآداب والفنون، تبني المزاج وتحرك الوجدان الداخلي لكل مجتمع، بناءً عن إنتاجها الفني والادبي، المستمدة من تاريخها الإبداعي والابتكاري، كمخزون تراكمي، يتنافس بها مع الآخرين.
والملاحظ أنُ السودان بلد متعدد ومتنوع في الثقافات وتكويناتها الاجتماعية، لكن بدلاً من الاستفادة من هذا التنوع في التنافس والإبداع، المؤسف تم التجهييل بها، والتقليل من شأنها، ووصفها بشكل مخل بأنها غير مقبولة في الوسط الفني والادبي للمركز، لأنها لا تمثل معيارها المقبول لماذا؟، لأن المركز لديها معيار وقالب محددة للقبول والاستيعاب.
وعلى الرغم من اي مجتمع لديها ادبها وفنها الخاص التي تشكل وجدانها ومخيالها الجمعي، عبرها يتم تحديد معيار الجمال، والحب، وكذلك لديها اغاني للحماسة، وللثورات والحروب، واغاني للتضامن والتماسك الاجتماعي الداخلي، خذ مثالاً على ذلك أغنية الفنانة الراحلة مريم أمو احدى المبدعات من مجتمع الفور، (باينِ دونق جي ليجنق…الخ)، هذه الأغنية في فحوى معناها حسب ماشرحه لي رفيقي محمد عبدالله وهو من أفراد هذا المجتمع بأنها تعني الموج المندفع نحو الثورة من أجل الوطن، وكذلك ألاغنية الجماعية كورال الفنانة كلتوم(بكوركي اِلَي باكجانخ، كون ويينق دفتري مرنا )، تعبر عن شعب الداجو بأنهم شعب عظيم يجب أن يتمسكوا بالدفتر، والمقصود بالدفتر هو اعلاء قيمة العلم والمعرفة، حسب رواية الاستاذ مهدي عبدالعزيز، وبالتأكيد الاغنيتان التي تفضلت بالاستدلال بهما تمثل معاني عميقة لتلك المجتمعات، رغم انهما غير مفهومان لدى السود الاعظم من الشعوب السودانية، ولكن هذا دور اللغة كمستودع لحفظ أسرار المجتمعات، ونجد أيضآ اغاني الرقص الجماعي التي تميز طقوس المجتمعات في المناسبات كالفرنقبية للختان، والاعراس، بالإضافة إلى أنواع كثيرة من الفنون كالبردية، والوازا، ابوقزا، الكيرنق، المردوم، السنجك، وكذلك اغاني البجة بايقاعاتها الحماسية السريعة، والرقصات الجماعية التي تعتمد على آلة الباسنكوب شبيهة بالطمبور والربابة، واعداد كثيرة من الايقاعات التي لم اتمكن من حصرها هنا.
جل تلك الايقاعات لديها دورها الطليعي، في تشكيل الوجدان والمزاج لوعي الأفراد والمجتمعات في بنائها الاجتماعي الداخلي.

على الرغم من هذا التنوع الثقافي بحجم هذا التعدد والاختلاف المجتمعي، والتي تعكس حجم الثراء التي يتمتع بها الدولة السودانية، بدلاً من أن يتم توظيفها للتنافس لتحقيق الشروط الضرورية للتنمية والتطور والازدهار، فقد تم استهجانها واختزالها، في إنها ثقافات غير مرغوب فيها واُستُبدلت بثقافة ذات مزاج أحادي، تُسمى بأغاني الحقيبة.
سُّميت اغاني الحقيبة بذات الأسم نسبةً لأن كل من المغنين والعازفين، كانوا يحملون معداتهم الغنائية في حقائب، عند توجهم لأقامة حفل معين، وأشتُهر تلك الاغاني في الأربعينات والخمسينيات من القرن الماضي، أيام العهد الذهبي لتشكل ايدلوجية التمركز، وعبر تلك الاغاني تم إعادة انتاج وصياغة، جميع الآداب وفنون التكوينات الثقافية، بالسودان في حقل أدبي وفني أحادي، عبرها تم صياغة الوجدان الجمعي لهذا الكم الهائل من التعدد الثقافي الغنائي، بأن مزاجها ووجدانها المُشكَلة من تكويناتها الثقافية ما عاد مقبول، لدى ايدلوجية التمركز، كحيلة من المركز للأزدراء والتقليل من شأن تلك الثقافات، ووصفها بأنها آداب وفنون، متخلفة لا ترتقي للمزاج القومي، وفي الحقيقة الحقيبة لا تمثل الا مزاج أحادي عُزز بأيدلوجية التمركز. لأن اغاني كرومه، ومحمد أحمد سرور، وغيرهم من فناني الحقيبة هم عبارة عن مدرسة فنية، قامت عليها ركائز الغنى في الدولة المركزية مابعد الاستعمار، واي مقطع شعري أو أغنية لم تكن من معايير تلك المدرسة، لم تكن مقبولة ولا حتى تُسجل في المصنفات الأدبية، لذلك تم اختزال المزاج القومي، في حقل زائف، لم تعكس الوجه الحقيقي للدولة السودانية.
وفي الختام الثقافة لها دور كبير في تشكيل وعي المجتمعات وبنائها، عبر المحددات الثقافية، إذا تم استغلالها وتوجيهها بشكل صحيح ومحترم، فتصبح التنوع الثقافي، نعمة وليس نغمة، فضلاً على أنها مصدر للتنافس والإبداع والابتكار، وكذلك التربة الخصبة التي تساعد إلى التطور، ورفع وعي المجتمعات، وبما ان الاختلاف الثقافي ثروة، يتطلب إدارتها بحكمة يجب الانتباه للأسطورة الأمريكية في إدارة التنوع، والتي قامت على أصول ثقافية، مهاجرة من بلدان متعددة، ذات ثقافات مختلفة، لاحظ كيف دمج الولايات المتحدة، تلك الثقافات وعززها في حيزها الجغرافي القومي، مما أصبح نعمة وسمة، في تفوقها الحضاري.
لذلك حتى نتمكن من النهوض والتطور، ببلادنا الحبيبة، لازم نؤمن بمبدأ الاختلاف، والاعتراف لأن بدونها سنظل في دوامة الصراعات واهدار لموادرنا البشرية، وعجلة التاريخ، لن تتوقف لانتظارنا، وإنما العالم ستكون في حالة تطور دائم ونحن عبارة أسواق استهلاكية لهم لتسويق منتجاتهم كنتيجة لتخلفنا بعدم قبول بعضنا البعض.

كن انت وتنسم دائمآ من عبق الثورة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى