مقالات واراء

محمد حمدان دقلو : الحلقة المفقودة في مشروع التحرر الوطني

مهند زامل

تأتي هذه السلسلة من المقالات لتتناول التشكلات المحورية المهمة التي يشهدها السودان والقرن الأفريقي، كما تبرز شخصية القائد محمد حمدان دقلو كأحد آخر تجليات مشروع المقاومة السودانية الذي انتظم البلاد من قبل خروج الاستعمار.

ان واحدة من أفضال البريطانيين علينا، انهم في فترة الاستعمار الثنائي كانوا صارمين في تعاملهم مع المصرين وما أدوا مساحة كافية للتأثير الثقافي والاستلاب المنظم للسودانيين زي ما تم في فترة التركية، عبر وسائل مثل التعليم والقضاء والتشريع.
لكن ضاعت جهود الإدارة البريطانية في اول اختبار حقيقي، عندما اختار ضباط سودانيين التمرد احتجاجًا على قرار الإدارة البريطانية لإجلاء القوات المصرية من السودان.
ومن حينها استعادت التبعية المركبة وضعها داخل المؤسسة العسكرية الاستعمارية. وأصبح الجيش السوداني في شوف النخب المصرية كأنه تشكيلة من تشكيلات الجيش المصرى.
ودارت السنوات ان تأتي بالبرهان كاخر أشكال الخنوع والارتهان وتمثل هذا شكلاً ومضموناً، عندما ذهب عبد الفتاح البرهان إلى مصر بعد ما أجهض مشروع ثورة ديسمبر، ليرفع التمام إلى القيادة المصرية بدلالة تنفيذ المهمة وتجسدت في لحظة تأريخية مخزية عندما ألقى التحية العسكرية لقائد الجيش المصرى!
ظلت بنية المؤسسة العسكرية الخاضعة للتبعية المركبة (سياسية، عسكرية، ثقافية، اقتصادية….) تنتج الحروب المتعددة منذ بداية تشكل الدولة في مرحلة ما بعد الاستعمار، مستخدمة في ذلك جميع نماذج أشكال حروب الوكالة لضمان بقائها في إطار مشروع التبعية تجاه مصر .
لقد عملت النخبة الأمنية في السودان والتي أعيد بنائها في مرحلة ما بعد المهدية وفق مشروع هندسة اجتماعية جديدة تقصي مجتمعات متعددة من مراكز السلطة والقرار بدافع القضاء على آثار المهدية، وفي الوقت ذاته عملت على جانب الدين السياسي والهوية في محاولة تحييدهم من خارطة المقاومة التقليدية للدولة.
ولكن ظل أساهم هذه المجتمعات في كافة أشكال المقاومة التي انتظمت السودان الحديث، وان كان بشكل غير منظم.
أن الحلقة التي كانت مفقودة في مشروع التحرر الوطني هو الوعي المنظم لأبناء القبائل العربية تجاه مشروع البناء الوطني والتأسيس. فقد كانت المساهمة في حركات التحرر الوطني في أحيان كثيرة فردية اكثر من كونها جماعية منظمة.
ولكن قد شهدت مناطق شبه حزام السافانا منذ وقت مبكر مشاركة واسعة في الكفاح المسلح منذ بواكير الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان.
ومنهم قادة بارزين لقوا حتفهم في مسيرة الكفاح الوطني أمثال ، الكوماندورز رحمه رحومة، ياسين ملاح ، محمود خاطر، ونيس ونسة ، ادم طبيقات، بري البشاري، سليمان قور، كمال معالي ، عبدالقادر حامد مهدي، وابكورة محمد فضل والقائمة تطول . ومنهم الأحياء إذ نعتبر نحن بالنسبة لهم الجيل التالت. هذا علي مستوى الجيش الشعبي فقط، بغض النظر عن أشكال المقاومة الأخرى.
ان ظهور القائد محمد حمدان دقلو في هذا التوقيت الحاسم من عمر الدولة الافتراضي. كان له اثر بالغ في دفع مسيرة التغيير كما ان ظهوره لم يكن وليد الصدفة أو المفاجأة نظراً لسيرورة تشكل الوعي التحرر لدي المجتمعات العربية في غرب السودان، فقد سبق للقائد محمد حمدان نفسه في بداية مسيرته قد اعلن تمرده على السلطة الحاكمة. الا ان التناقضات الاجتماعية التي حكمت مشروع الثورة في دارفور حالت دون ذلك.
لقد ظلت قضايا جذور الأزمة السودانية محل اختلاف كبير تتعامل معها النخب العربية والمستعربة بتهجس وخوف وتشكك نوايا وظنون، ولكن شجاعة وصدق القائد استطاعت أن تكسر تلك الظنون. وقد يعتبر هذا طبيعي بالنظر للبنية الأيديولوجية التي شكلت هذه الهواجس، والتي لا ينتمي لها لا حميدتي ولا مجتمعات غرب السودان.
إن الوعي بجذور الصراع ومسارات الحلول الذي مثله القائد محمد حمدان بالتوقيع على جميع القضايا التي تضع النهاية المنطقية للحروب وتقيم مشروع الدولة الوطنية. قد ينتشل الدولة من حالة الاغتراب الثقافي والسياسي والاقتصادي والأمني الذي سكن في بنيتها منذ النشأة الأولى والتكوين.
الآن ونظراً إلى الإرادة الوطنية المطلقة والتحولات البنيوية التي تحدث في مشروع التحرر الوطني في السودان يمكننا القول بان السودان يخطي أولى خطواته نحو اعادة البناء والتأسيس. من خلال وحدة الإطار الديموغرافي للمقاومة السودانية والذي كان غيابه بمثابة المزيد من القتل والتشريد والنزوح واللجوء والمعاناة للشعوب السودانية المهمشة.
في المقال القادم سنتناول الحركة الاجتماعية الحديثة وإعادة النظر حول الهندسة الاجتماعية القديمة لمرحلة ما بعد المهدية..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى