
” الطابور الخامس ( Fifth column) مصطلح متداول في أدبيات العلوم السياسية والاجتماعية نشأ أثناء الحرب الأهلية الأسبانية التي نشبت عام 1936 واستمرت ثلاث سنوات وأول من أطلق هذا التعبير هو الجنرال إميليو مولا أحد قادة القوات الوطنية الزاحفة على مدريد وكانت تتكون من أربعة طوابير من الثوار فقال حينها إن هناك طابورًا خامسًا يعمل مع الوطنيين لجيش الجنرال فرانكو ضد الحكومة التي كانت ذات ميول ماركسية يسارية من داخل مدريد ويقصد به مؤيدي فرانكو من الشعب، وبعدها ترسخ هذا المعنى في الاعتماد على الجواسيس في الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكى والراسمالى”
” هذه سلسلة من مشاهد لجراحات المنطقة المؤلمة لحد الفجيعة التي ارتكبت بحق الإنسانية بما يمكن وصفها بجرائم الابادة الجماعية وهى ماتجعل مرتكبيها مجرمين حرب يجب ان يخضعوا لمفهوم العدالة الإنتقالية تأسيسا لانتقال يسهم فى بناء دولة تقوم على الحقيقة والمصالحة , وهذا النوع من الجرائم لايمكن ان يسقط بالتقادم لأن آثار الجريمة هنا مستمرة بإستمرار الآجيال … “
مرت منطقة جبال النوبة في فترة التسعينات، بكابوس مخيف للغاية احدث تغيرا جذريا في التركيبة الإجتماعية وزرع الخوف وسط السكان، هجمة إنتقامية شرسة من الإستخبارات ضد المثقفين من ابناء النوبة، شملت الاستاذة والمثقفين ولاعبي كرة القدم والقساوسة،وكان مجرّد خلاف شخصي قد يقود صاحبه لمصيره المجهول في رحلة الغياب الابدي عن الحياة.
في تلك الفترة لمع إسم يونس الرحيمة وموسي جني، الاول من ابناء منطقة القوز وتحديدا الدبيبات، اما الثاني فهو من أبناء كادوقلي ويسكن في حي الملكية وقد اشتهرت بعلاقاته الإجتماعية المُزيفة خصوصا وسط الرياضيين والمثقفين، كان يقترب منهم كثيراً ويخفي شخصيته ك”سفاح” متعطش للدماء والقتل، شاهدناه ونحن اطفال يجوب شوارع كادوقلي بدراجته”عجلة” التي كتب علي خلفيتها عبارة “تشوف بس” ، ولاندري حينها معني لهذه العبارات الا بعد إن “حبي” عمرنا حبواً نحو الخمسينات وتيقنا عن المعني الذي يستبطن شراً محدقاً بالمواطنين.
في هذه المناخات القاتمة والسماء الملبدة بالغيوم، تغيرت ملامح المدينة الوادعة وسكن الخوف والهواجس كل البيوتات، اصبحت كادوقلي عبارة عن سجناً كبيراً، فالخروج منها عبر الشارع الرئيسي صار جريمة قد تقود صاحبها الي الموت، فنقطة ” التبلدية” بحي كلبا شمال كادوقلي اصبحت هاجسا للمغادرين والقادمين للمدينة ، فاستسلم الجميع او الهروب عبر مخاطر الطرق الوعرة الي الجبال.
يحكي الأستاذ النور مكي كوة سرداً تراجيدياً، في واحدة من كتاباته عن مشاهد الإنتهاكات بجبال النوبة،ويقول إن محافظة كادوقلي، كانت قد دعت مجموعة من المشايخ شات الصفية / مورو / اطورو / رشاد / دلامي الي مؤتمر فى كادقلي، وبعد الاجتماع تم اعتقال مجموعة من مشايخ اطورو بتهمة ” الطابور الخامس” وإنهم يأوون المتمردين داخل جبال اطورو، فتم إعتقال المك ضيفان ارنو كبي بحامية كادقلي ومعه مجموعة ومكث حوالي شهرين بالحامية.
ويضيف النور مكي، إنه تم إقتياد المك ” ضيفان كبي” الي خور العفن ومعه تسعة اخرون، حيث اطلق عليهم النيران، وقتلوهم جميعا، واصيب المك ضيفان فى مؤخرة رأسه وخرجت الطلقة بفكه، وادعي المك إنه قد مات.
يحكي المك “ضيفان كبي” حكايته عند تلك اللحظات العصيبة التي صوّر كلماتها الاستاذ النور مكي كوة ، فيقول “سمعت صوت إغلاق أبواب العربة، ثم صوت المحرك يدور، ثم يبتعد الصوت رويداً رويداً حتي إختفى ذلك الصوت، وعندما إختفى الصوت قمت وجلست، ولأنني كنت مقيداً ويدي خلف ظهري، قمت بتنظيف وجهي من الدم عن طريق مسح وجهي علي ركبتي، نظرت حولي ووجدت إن جميع رفاقي قد ماتوا، ثم تحركت ومشيت مسافة طويلة حتى وجدت كوخاً صغيراً في منتصف الحقول (منطقة العتمور)،قلت يا أهل الداخل السلام عليكم أخرجوا وساعدوني، لا تخافوا عندما تروني أنا نوباوي مثلكم. نظرت إمرأة إلى الخارج، كانت خائفة وعادت إلى الداخل، وعندما خرج الرجل كان خائفاً أيضاً وعلى وشك الهروب، فهدأت من روعه بقولي: من فضلك لا تخف .. من فضلك لا تركض أنا نوباي مثلك
وسألني (من أي نوبة أنت ؟ .. أي قبيلة؟). قلت انا من (أطورو) منطقة (أيري) وسالني مرة أخرى: (ولماذا أنت هنا). رديت بقولي (أحضرني الجيش وأطلقوا النار علي). فقال: (هل الطلقات النارية التي سمعناها فى وقت سابق هذا المساء هي التي تتحدث عنها ؟). قلت: نعم – قال: (يأتي الجيش في كل ليلة ويطلق النار علي الناس في هذا المكان، رائحة الجثث تزعجنا ولا نستطيع حتي البقاء هنا).
قلت له: (أريد منك فقط أن تفك قيدي هذا). وهذا ما فعله. ولأن الحبال كانت مشدودة وموجعة لم يكن الدم يتحرك في عروقي،أخذني الفلاح على الفور إلى شيخه فقال الشيخ من الأفضل أن تمكث معنا عشرة أيام نبحث لك عن علاج ومن ثم نعيدك إلى شعبك،لكن بعد أربعة أيام عاد الشيخ وأخبرنا إنه تلقى تحذيراً من الجيش إنهم أطلقوا النار على ستة أفراد ولم يجدوا سوى خمسة جثث، وإذا كان الحي مختبئ في إحدى قراكم سنأتي ونحرق هذه القرية،قلت للشيخ (لا أريد أن أكون سبباً لحرق قريتكم وقتلكم، خذني بعيداً وأرمني في تلك الغابة البعيدة وسأنتظر لأرى ماذا سيحدث لي)، وبالفعل أخذوني في تلك الليلة إلى الأدغال، مكثت أربعة أيام فقد كانت الزمان خريفاً ممطراً، فأخذت اتناول الطين الممزوج بالماء،كان بعض هذا المزيج يدخل في حلقي والجزء الآخر ينسكب إلى الخارج لأن فكي كان مفتوحاً.
ويضيف العمدة في حكايته،بعد أربعة أيام وصلت (أيري)، لقد كنت مرهقاً بالفعل. عائلتي لم يتعرفوا علي، عندما ناديت والدتي قالت: (من هذا الذي يناديني بهذا الصوت الغريب)،كان الضرر الذي لحق بلساني وفكي قد أعاق كلامي. قلت لها: (أنا إبنك ضيفان). وعندما تعرفوا علي تدافعوا نحوي يبكون فقلت لهم: (لا تبكوا أنا الآن معكم بالفعل)،سألت زوجتي وإبنتي على الفور إن كان هناك زوار من الجنود حضروا إلى المنزل، فأكدوا لي قائلين: (بالأمس كان هناك ثلاثة جنود في المنزل يروحون ويعودون)،فعندما سمعت ذلك تحركت علي الفور إلى معسكر الجيش الشعبي لتحرير السودان. إلى القائد/ جمعة كبي.
لقد شفي المك ضيفان أرنو كبي من جراحاته، ولكن في المقابل تعمقّت جراحات المدينة، التي مازالت تنزف دماً نتيجة سياسات المركز النخبوي في إشعال الصراعات القبلية، مما ساهم ذلك وبشكل كبير في الشروخات الإجتماعية بين مكونات الإقليم، الأمر الذي زاد من حِدة الإحتقانات بين المجتمعات، وهذه تأتي ضمن سيناريوهات إستخباراتية تهدف الي إغراق الإقليم بدماء مجتمعاته فيما بينهم ضمن سياسة “فرّق تسد”.



