
للحقيقة، ما “ترامب” الذي كان يتحدث أمس الإثنين في حفل تنصيبه رئيسا علي أكبر دولة في العالم، سوي مجرد جندي واحد صغير من جنود الله التي لا يعلمها في النهاية إلا هو، منهم من آتاه سبحانه وتعالي ملكا علي هذه البسيطة شأنه شأن ترامب، الذي نصب أمس فقط رأسا علي بلد مهما عظم شانه وخطره عند الناس، إلا أنه لا يسوي بالطبع عند الله جناح بعوضة.
وهنا في ظني أن ترامب ما كان له أن يشاء أو يزعم من قدرة علي انهاء كل حروب العالم، ما لم يشاء من بيده نواصي الناس ومقاليد أمور الدنيا، علم بذلك ترامب أو جهله.
علي أية حال فقد بدا لافتا أمس تعهد “ترامب” العائد الي البيت الأبيض في ولاية ثانية، بأنه سيرمي بثقل دولته الكبير، وراء مهمة إخماد كل نيران الحروب المستعرة حاليا في العالم، والتي من بينها بالتأكيد حرب السودان المنسية، من خلال قوله: “ستُوقف قوتنا الحروب، وتجلب روحا جديدة من الوحدة، إلى عالم كان غاضبا وعنيفا”، مؤكدا “إن قوات بلاده ستركز على مهمتها الوحيدة، التي هي الحاق الهزيمة بأعداء أميركا”..
وبالتالي يمكن القول: أن تعلق ترامب بحلم أن يصبح بطلا يصنع السلام للعالم، لم ينشأ هو كذلك من فراغ.
فقد بدا الرئيس ترامب علي ثقة كبيرة وهو يتحدث عن فرصه لفرض السلام، استنادا علي قوة بلاده التي أشار اليها دون مواربة، والي يقينه بقدرتها علي ايقاف تلك الحروب.
لكن يبدو الي الآن علي الأقل أن الرئيس الأمريكي المخضرم ترامب، بات يفكر وفق عقليته التجارية المعهودة، في إبرام صفقة إستثمارية مع التاريخ نفسه هذه المرة.
صفقة تؤهله لأن يضيف أسمه الي قائمة رؤساء الولايات المتحدة الذين خلدوا أنفسهم في سفر التاريخ، بلعبهم أدوارا مؤثرة ومهمة في ايقاف حروب معقدة علي مستوي العالم، أهلتهم للحصول علي جائزة نوبل للسلام.
فترامب الذي ربح تحدي العودة للبيت الأبيض بعد معارك متطاولة مع الديمقراطيين، يبدو وكانه بحاجة الآن لأن يقدم نفسه لشعبه وللعالم في صورة استثنائية تلحقه بقوائم الرؤساء الخالدين في تاريخ العالم أو التاريخ الأمريكي علي الأقل.
وأعتقد أن محاولة ترامب في خطاب تنصيبه ترسيخ مفهوم أن عهدته الرئاسية الجديدة، ستكون بمثابة “عصر ذهبي” للولايات المتحدة، يؤكد أن ترامب يصوب انظاره نحو هدف بعيد، يذهب به الي حد التطلع لدخول السجل الذهبي في التاريخ الأمريكي.
بل أتصور أن فكرة أن يصبح ترامب بطلا من صناع السلام في العالم، تعد هدفا لا يمكن التنازل عنه لدي ساكن البيت الأبيض العائد من جديد، بحسبان أنها أحد المداخل المهمة لصناعة تاريخ إستثنائي للرجل.
وبطبيعة حال ترامب وشخصيته التي لا تقبل الهزيمة، أرجح ان يستخدم الرجل كافة أدوات القوة الي المح اليها في ذات الخطاب، للوصول الي وقف لحرب السودان بأسرع ما يمكن لما بلغ طرفي القتال من رهق لا يخفي، ثم من بعد حرب أوكرانيا برهان ترامب علي درجة مقبوليته المعقولة عند الرئيس الروسي بوتين، مع العمل بعد إنقضاء الأسابيع الستة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي المفضل لدي ترامب، نتنياهو، علي تثبت وقف إطلاق النار الهش مع حماس، بهدف تطويره الي إتفاق يضمن مصالح إسرائيل، في إطار صفقة مفتوحة ربما تعيد الي الأذهان إتفاقات إبراهام.



