جمعة حراز يكتب: سقوط القناع الأخير… حين ينطق العالم بحقيقة الكيزان

لم يكن خبر تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان والحركة الإسلامية الكيزانية وأذرعها المسلحة، وعلى رأسها ما يسمى بلواء البراء بن مالك، ضمن قوائم الإرهاب، مجرد قرار دبلوماسي عابر؛ بل كان لحظة تاريخية انتظرها الشعب السوداني طويلاً، لحظة شعر فيها السودانيون أن صوت معاناتهم قد وصل أخيراً إلى العالم.
لقد عانى السودان لعقود من مشروع أيديولوجي استبدادي اختطف الدولة، واحتكر السلطة، وجرّ البلاد إلى حروبٍ ودمارٍ وانقسامات لا تزال آثارها ماثلة في كل شبر من الوطن. فالحركة الإسلامية التي حكمت باسم الدين لم تقدّم للسودان سوى دولة منهكة، اقتصاد منهار، ومجتمع ممزق. ومع سقوط نظامها، لم تتوقف محاولاتها لإعادة إنتاج الفوضى، بل لجأت إلى تشكيل الأذرع المسلحة وتغذية الحرب وتوسيع دائرة العنف.
إن لواء البراء بن مالك، الذي ارتبط اسمه بالانتهاكات والعمليات العسكرية خارج إطار القانون، لم يكن سوى امتدادٍ طبيعي لذلك المشروع الذي جعل من العنف وسيلة للسلطة ومن الفوضى طريقاً للعودة إلى الحكم. ولذلك فإن تصنيفه ضمن المنظمات الإرهابية يمثل اعترافاً دولياً بحقيقة طالما ظل الشعب السوداني يصرخ بها: أن هذه الجماعات لم تكن يوماً مشروعاً وطنياً، بل مشروعاً أيديولوجياً عابراً للدولة.
اليوم يشعر كثير من السودانيين أن العدالة المعنوية بدأت تتحقق، وأن المجتمع الدولي بدأ يرى الصورة كما هي، بلا تزوير ولا شعارات. فالإرهاب ليس فقط بندقية تُرفع في وجه المدنيين، بل هو أيضاً مشروع سياسي يقوم على استغلال الدين لإقامة سلطة قهرية تُقصي الآخرين وتُغرق البلاد في الدماء.
إن فرحة الشارع السوداني بهذا القرار لا تنبع من روح الانتقام، بل من إحساسٍ عميق بأن صفحة سوداء من تاريخ البلاد بدأت تُطوى، وأن الطريق أصبح أكثر وضوحاً لبناء دولة جديدة: دولة لا تُختطف باسم العقيدة، ولا تُدار بعقلية التنظيم السري، بل تقوم على المواطنة والعدالة وسيادة القانون.
لقد آن للسودان أن يتحرر من إرث الكيزان، وأن يخرج من دائرة الابتزاز الأيديولوجي التي عطلت نهضته لعقود. فالشعوب لا تنهض إلا عندما تُهزم مشاريع الاستبداد، وتُغلق أبواب العنف السياسي، ويُفتح الأفق أمام مشروع وطني جامع.
إن القرار الدولي بتصنيف هذه الجماعات هو، في جوهره، رسالة واضحة: أن زمن توظيف الدين في صناعة الحروب قد ولى، وأن العالم بدأ يقف إلى جانب تطلعات الشعب السوداني في السلام والاستقرار.
واليوم، بينما يتنفس السودانيون شيئاً من الأمل، تتجدد القناعة بأن المستقبل لن تصنعه جماعات الظلام، بل سيصنعه شعب السودان بإرادته الحرة، حين يضع نهاية نهائية لعهد الكيزان ويكتب فصلاً جديداً من تاريخ وطنٍ يستحق الحياة.



