مقالات واراء

اما حكاية! إلغاء العقل … الكيزان واستراتيجية «غسيل الأدمغة »

إيهاب مادبو

في عالم تتنازعه الأيديولوجيات وتتنافس فيه القوى المختلفة على توجيه الوعي الجمعي، تقف جماعة الكيزان كواحدة من أكثر النماذج التنظيمية براعة في استخدام تقنيات السيطرة على العقول.

‏فهم لم يكونوا مجرد حركة سياسية، بل مشروعًا أيديولوجيًا يهدف إلى إعادة تشكيل الإنسان وفق تصوّراتهم الخاصة. مستفيدين من أدوات في السيطرة على الأفراد، بدءًا من اللغة المحملة بالدلالات الأيديولوجية، مرورًا بالشعارات، وانتهاءً بإعادة هندسة الواقع من خلال الإعلام والخطاب الديني

‏وهذا ما فعله الكيزان، حيث خلقوا «عالمًا لغويًا» خاصًا بأتباعهم، يعيد تعريف المفاهيم وفق مقاييس التنظيم: فـ«الجهاد» يصبح مشروعًا سياسيًا، و«الخلافة» هدفًا دنيويًا، و«السمع والطاعة» فضيلة لا يمكن التشكيك فيها.

‏ويتخذ الولاء طابعًا عقائديًا، لا يترك مساحة للنقد، يبدأ بـ”التحكم بالعقل” في سن مبكرة، حيث يتشرب الفرد تصورًا واحدًا عن العالم والذات، ويعاد إنتاج هذا الوعي بشكل دوري عبر مشاريع تربوية، ومناهج تفسيرية بالتنظيم، ما يضمن خلق وعي يرى في الانتماء للجماعة طريقا نحو الجنة الإفتراضية

ومن امثلة إستخدامهم لغسيل الادمغة الحرب التي اشعلوها وسردية خطاب الحرب، حيث حوّل الكيزان هذه الحرب والمأساة إلى مادة دعائية متكررة تُستخدم لتثبيت مشاعر الظلم والإعتداء، وتعزيز صورة التنظيم باعتباره “المدافع الحقيقي” عن قضايا الشعب السوداني.

وفي الواقع، لم يكن الهدف تقديم حلول أو دعم فعلي ملموس، بل استخدام الدماء والدمار كرافعة أيديولوجية لتحفيز الانتماء وتكريس الولاء وتبرير العنف أحيانًا.

ويشير دانيال بيك في كتابه “غسيل الأدمغة: والتحكّم في العقول” إلى أن السيطرة على العقول لا تحتاج إلى وسائل عنف صريحة كالاعتقال أو التعذيب، بل تتم غالبًا عبر مؤسسات تبدو للوهلة الأولى “محايدة”، مثل المدارس، ودور العبادة، ووسائل الإعلام.

 هذه الفرضية تجد تطبيقًا واضحًا في الاستراتيجية الفكرية والتنظيمية التي اتبعها الكيزان منذ تأسيس التنظيم، حيث لم تعتمد على القوة المباشرة، بل على بناء منظومة دعوية تعليمية موازية لمؤسسات الدولة، تتغلغل بهدوء داخل المجتمع وتُعيد تشكيل الوعي الجمعي على المدى البعيد.

وبحسب دانيال بيك في تحليله لآليات غسيل الأدمغة أن أي منظومة فكرية شمولية تحتاج إلى ما يُعرف بـ”الأسطورة المؤسسة”، وهي قصة رمزية أو شخص مؤله يُمنح سلطة معنوية مطلقة، تُبنى حوله العقيدة وتُرسم في ضوئه الحدود بين الحق والباطل.

في ظل هذا المناخ المشحون بالرموز المقدسة، تصبح حرية التفكير عبئًا نفسيًا على العضو، ويُجرَّم النقاش الداخلي باعتباره بوابة “للريبة والفتنة”. ويصل الأمر أحيانًا إلى فصل الأعضاء أو محاسبتهم تنظيمياً إن عبّروا عن شكوكهم أو تساؤلاتهم. كل شيء – من القراءة إلى العلاقات الاجتماعية.

وكما يقول بيك، فإن العقل يُسجن دون قيد مادي، بل داخل منظومة من الأفكار والرموز التي تُفرغ العقل من استقلاله، وتُعيد برمجته ليعمل داخل نفق فكري مغلق، لا يرى فيه إلا ما يُحدده التنظيم، ولا يسمع إلا ما يُبثّ له من داخل جدرانه.

لقد اعتمد إعلام الكيزان في هذه الحرب، على إنتاج مواد بصرية ذات تأثير عاطفي، كفيديوهات تُظهر نساءً يُسحَلن او مواطنين يقتلون، مع خلفيات صوتية مؤثرة وأناشيد دينية. هذه المواد لا تُقدَّم كمجرد توثيق، بل تُركّب بطريقة درامية تقصد إثارة مشاعر الغضب والانتماء في آنٍ واحد، ما يُعيد تشكيل المتلقّي ككائن “غاضب ومُتديّن”، جاهز للانخراط في المشروع الجماعي للجماعة دون مراجعة عقلانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى