
السودان يمضي نحو العقد السابع منذ إعلان الإستقلال في 1956م وبلادنا تعاني بشكل مدهش من عدم الإستقرار السياسي وغياب التوازن التنموي وإنتشار الحروب في أطراف السودان غياب العدالة الإجتماعية…سوء توزيع للسلطة والثروة علاوة علي النخب التي أدمنت الفشل واسست لدولة مركزية قابضة خانقة احتكرت السلطة فمارست العنف والبطش وظلمت الأطراف وإحتكرت الثروة فعانت الشعوب السودانية من الثالوث الخطير الجهل والفقر والمرض … رغم ان بلادنا تزخر بموارد هائلة تؤهلها لأن تحجز موقعيا رياديا ومتميزا بين الأمم والشعوب لكن سوء وعدم إستخدام الموارد والاستخدام غير الامثل لها جعل السودان يتموضع في التخلف كل هذه السنين حتي صار يطلق عليه الدولة المصابة بلعنة الموارد بسبب سوء الادارة وغياب الارادة وسيطرة عقلية النخب القائمة علي النظرة الضيقة وأجهزة الدولة التي ورثت من الاحتلال وكل المؤسسات التي كانت تعاني من غياب خطط استراتيجية لبناء المشروع المدني وتعزيز ممسكات الوحدة الوطنية كل هذه العوامل قادت الي التوهان والتخبط في ادارة بالبلاد فانزلقت الي ما عرفت بالحلقة الجنهمية للحكم .. حكم مدني انقلاب عسكري تعقبه ثورة شعبية ولكن الملاحظ ان هنالك مجتمعات ظلت هي الحلقة الاضعف بسبب ممارسات النخب المدنية والعسكرية .. مجتمعات الأطراف كانت عبارة وقود حرب في الانظمة الدكتاتورية والشمولية والاتوقراطية.. وقوة انتخابية في الانظمة المدنية
وهذه هي تمظهرات تؤكد ان الاحزاب والقوي السياسية والعسكرية تعاني من ازمات مزمنة منذ بداية تأسيس الدولة هذه افضت هذه الازمات الي دولة ضعيفة ومتهالكة باهتة الملامح مما خلق أزمة هوية معقدة بسبب غياب الرؤي والافكار والاطروحات التي تجعل من التنوع عنصر خلاق وعامل حاسم ومهم في بناء الدولة الحديثة ولكن انسداد الافق السياسي وضعف الاجهزة المفاهيمية وهزال الحالة النخوبة التي كانت سائدة آنذاك افضت الي تأسيس دولة ظلت تصادر حتي تطلعات واشواق شعوبها في الحكم وفشلت في ان خلق ادني حالة من التوافق والتراضي بين مكوناتها .
اشرنا الي ان جميع الانظمة الدكتاتورية والشمولية والاتوقراطية قامت ضدها هبات شعبية ولكن تظل ثورة ديسمبر المجيدة مختلفة عن سابقتيها اكتوبر 1964م وأبريل 1985م فهي ثورة تبنت شعارات السلام والحرية والعدالة وهي شعارات ذات معاني نبيلة ومضامين تتعلق بحقوق الانسان والمواطنة كأساس للحقوق والواجبات الدستورية وهذه الشعارات والاهداف والتي تعبر عن طيف عريض من الشعب السوداني بتنوعاته وتبايناته وخلفياته الفكرية والسياسية والاثنية والجغرافية والمناطقية بالطبع ماض في خلق منصة جديدة للانعتاق من الماضي والانطلاق والهجرة نحو مستقبل يعزز فرص التعايش بين كل هذه المكونات الإجتماعية علي اساس دولة المواطنة المتساوية.
وبما ان المفهوم العريض للمواطنة يعني خلق دولة مدنية ديمقراطية فهذا الامر يتطلب بالضرورة إصلاح أجهزة الدولة وعلي رأسها اصلاح الاجهزة الأمنية والعسكرية والخدمة المدنية والاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وبناء اجهزة تتسق مع المفاهيم المدنية التي جاءت بها ثورة ديسمبر المجيدة والعمل الجاد علي تقديم اطروحات تؤسس لبناء دولة مدنية علي اسس جديدة تضع كل شئ في نصابه وهنا يبرز سؤال محوري كيف سننتقل الي الحوار السياسي الذي يعالج جذور هذه الازمات وهل ستظل القضايا والمواضيع التي تم طرحها في الاتفاق الاطاري أم الحرب قد خلقت واقعا يستدعي التعاطي معها بشكل جديد ليس هذا فحسب بل يجب اشراك كل اطياف المجتمع وفئاته وقطاعاته لأن الإتفاق الإطاري علي مستوي الأطراف والهياكل يحتاج لتوسعة افقية وقبل اتساع الاتفاق يجب ان تتسع الافق والصدور بعيدا عن العصبيات واستصحاب كل قوي الثورة لأن تحديات بناء الدولة كثيرة ومعقدة وان حالة الإستقطاب والإستقطاب المضاد يشتت اي جهود يمكن ان تسهم في خلق واقع جديد يتجاوز الازمات التاريخية المتراكمة واعلاء قيمة الانتماء للوطن .


