
حق الإنسان في الحياة، حق لا يعلوه او يضاھيه حق علي الإطلاق.
- فقد تتعدد الأسباب المفضية الي نقض حياة إنسان، لكن يظل نقض إنسان لحياة إنسان آخر مثله، أكبر جرم في ھذا الكوكب يمكن أن يرتكبه بشر من لدن “قابيل” قاتل أخيه “ھابيل”.
ولعل من أكبر أوزار الحروب أنھا تفتح أبوابا لإزھاق ارواح الناس، ولانتھاك حقوقھم وحرياتھم وحرماتھم، أبوابا لا توصد إلا بمشقة وعسر كبيرين.
فللحرب أوزار لا متناھية ليس أقلھا ترويع الناس وتجويعھم وافقارھم وتشريدھم من ديارھم.
إذ ان الحرب والجوع في الحقيقة وجھان لعملة واحدة، فمتي اندلعت الحرب، حل معھا الجوع، بل وربما أضحي ھو من أسلحتھا الأشد فتكا وضراوة.
فالتاريخ السوداني قد شھد بضع مجاعات أشھرھا ما عرف بمجاعة “سنة ستة” ومجاعة “سنة 84” التي أتصور أنھا كانت سببا اثر بتداعياته في زوال حكم الرئيس الاسبق جعفر نميري.
بل وارغمته بعد أن اعيته الحيلة في مواجھة اثارھا الكارثية علي الرضوخ للارادة الامريكية ، وما اشبه الليلة بالبارحة فيما أظن.
المھم يقول التاريخ القريب أن “بوش الأب” من أهم الشخصيات الأمريكية التي ساهمت مباشرة في صياغة متغيرات الأحداث علي الساحة السودانية في ثمانينيات القرن الماضي، من خلال زيارته المثيرة للجدل التي قام بها للخرطوم في يناير 1985م بوصفه نائباً لرئيس الولايات المتحدة حينها رونالد ريجان، بعد أقل من عامين علي إعلان الرئيس جعفر نميري تطبيق قوانين سبتمبر، وفي غضون الآثار المترتبة علي موجة الجفاف التي ضربت أنحاءا متفرقة من السودان وإثيوبيا في وقت واحد.
ويعتقد علي نطاق واسع أن زيارة بوش الأب الذي يعد أرفع مسئول أمريكي يزور الخرطوم منذ ذلك التاريخ، قد مهدت السبيل لإطاحة حكم الرئيس نميري عبر إنتفاضة شعبية حدثت في ابريل من ذات العام، من خلال إجتماعات سرية جمعت نائب الرئيس الامريكي آنذاك بقادة المعارضة السياسية للنظام بمقر سفارة واشنطن بالخرطوم، فضلاً عن إجتماع آخر باساتذة جامعة الخرطوم الرحم التي خرجت منها ثورة اكتوبر التي اطاحت بحكم الجنرال عبود في العام 1964م.
وتقول مصادر متطابقة أن بوش الأب طالب النميري اثناء الزيارة بالإعتدال وعدم الجنوح للتطرف، وبإحترام مباديء حقوق الإنسان الدولية.
بيد أن مصادرا اخري إعتبرت أن زيارة نائب ريجان قد كتبت بالفعل الفصل الأخير لشهر العسل بين نظام نميري والإسلاميين، إذ تقول تلك المصادر: أنه قبل ايام قلائل من مغادرة النميري في رحلته الاخيرة لواشنطن في السادس والعشرين من مارس ١٩٨٥ بثت الاذاعة السودانية مارشات عسكرية اعلن بعدها نميري إيفاءا بتعهداته لبوش ختام علاقته الملتبسه مع تنظيم الحركة الاسلامية، ليعقب ذلك مباشرة في التاسع من مارس حملة اعتقالات واسعة طالت اغلب رموز الحركة ومن بينهم بعض شاغلي الوظائف الدستورية.
لكن الفصل الأهم في زيارة بوش للخرطوم كان يتعلق باستمرار تعاون السودان في نقل اليهود الفلاشا الي اسرائيل الذي توقف بعد تسريبات كشفت عن ضلوع نظام نميري في “عملية موسي” التي نفذت في العام السابق لزيارة نائب الرئيس الامريكي، حيث تشير المصادر الي أن زيارة بوش الاب جاءت لتشجيع نميري علي الموافقة بإستئناف نقل الفلاشا وفق ضمانات أمريكية من بينها عدم توجه طائرات الهيركولييز الامريكية التي ستقلهم في العملية الجديدة التي أطلق عليها “عملية سبأ” الي تل ابيب مباشرة، في مقابل أن تمد الولايات المتحدة السودان بمواد لإغاثة الجوعي الذين تأثرت مناطقهم بالجفاف والتصحر.
ورغم أن واشنطن قد اوفت بشرط توفير كميات من الحبوب التي عرفت محليا بأسم “عيش ريغان” لإغاثة الجوعي، إلا انها قد أخلت في الواقع بشرط عدم هبوط الطائرات التي تقل اليهود الاثيوبين بارض اسرائيل، حيث تأكد لاحقاً أن الطائرات العسكرية الأمريكية نقلت حمولتها من اليهود الفلاشا الي مطار النقب الاسرائيلي مباشرة من الخرطوم.



