
مثل آخرين كُثر غيري لم أكن أعرف الشهيد القائد جلحة رحمة الله، قبل حرب الخامس عشر من أبريل، سمعت صدى صوته الجهور أثناء الحرب وهو لا يزال على بعد مئات الكيلومترات من أرض المعركة، حيث أعلن موقفه بوضوح منحازاً إلى الحقيقة التي حاول الجيش وأذرعه إخفائها، قاطعاً وعداً غليظاً مع مقاتلي الدعم السريع المغدورين وقائدهم بالوقوف إلى جانبهم، دعماً لعدالة قضيتهم، حيث كان لا يزال وقتها قائداً لحركة مسلحة مستقلة.
صدق جلحة وعده وعاد إلى السودان مع قواته، وانخرط في القتال ضد الدولة القديمة الغاشمة، جندياً تحت قيادة القائد محمد حمدان، وقدم نفسه كقائد سوداني أصيل صقلته التجربة وانضجته الظروف. عبر جلحة عن قضايا مجتمع الريف ومعاناته بلغة ثورية واضحة وبسيطة، تفوق فيها على كل من تحدث أو كتب عن هذه القضايا من الأفندية وخريجي مدارس السياسة والاجتماع.
سقط الفقيد في أرض المعركة واقفاً وشامخاً كالطود، تماماً مثلما أراد، بعد أن حفر إسمه عميقاً في صدور أعدائه، وشيد اسطورته المغايرة في قلوب رفاقه. الشجعان وحدهم من يحدد القدر طريقة الموت التي تناسب بطولاتهم. فتح جلحة أفق السودانيون على نموذج جديد وفريد في القيادة والروح، سيظل خالداً في ذاكرة الأمة، وسيذكره الأعداء الذين انصتوا لأقواله باهتمام، قبل الأصدقاء، لقد آمن بمشروع التغيير منذ أن كان شاباً يافعاً، وقد إتبع الايمان بالعمل، فكانت صرخته الشاهقة والمدوية ضد الاستبداد والظلم والاخضاع في قلب العاصمة الخرطوم، مركز الاستبداد التاريخي، صرخة سمع صداها أصحاب الضمائر الحية في كل مكان حول العالم.
لقد أخرجت الحرب أسوأ ما في السودانيين من زيف ونفاق، لكنها أهدتنا كذلك ايقونات ونماذج ملهمة، اخفتها مع سبق الاصرار الآلة الدعائية الكاذبة للدولة القديمة المجرمة، رحل جلحة بعد أن أكمل دوره في الثورة والحياة كما يجب، ليلحق برفاقه الأبطال من ثوار الريف البعيد اللذين أخذتهم هذه الحرب اللئيمة، بعد أن كتبوا حكايتهم بمداد من الدم، وسجلوا أسمائهم في صحائف الخلود. نسأل الله لهم جميعاً الرحمة والمغفرة.


