مقالات واراء

الجميل الفاضل يكتب: العودة إلى الذات أم العودة إلى الوطن؟!

تتحرك حافلات من القاهرة، وتقلع طائرات من عنتيبي، ومن عواصم شتى أخرى، حاملةً السودانيين في طريق عودتهم إلى وطنهم المنكوب.
لكنني، كلما رأيت صور هؤلاء العائدين، قفز إلى ذهني سؤالٌ: هل الذي يعود هو ذات السوداني الذي غادر؟ فالحرب لا تُهجّر الناس من أوطانهم فقط؛ قد تُهجّر الإنسان من نفسه كذلك، وقد يعود المرء إلى بيته، ولا يعود إلى ذاته.
وهنا، ربما، تكون قضيتنا الأعمق اليوم: أن نستعيد أنفسنا التي فقدناها.
فقد كان في هذا الإنسان السوداني شيءٌ يصعب شرحه، لكن يسهل التعرف إليه: بساطةٌ بلا تصنّع، افتقارٌ اختياريّ لا مذلة فيه، زهدٌ لا يعادي الدنيا، لكنه لا يسمح لها أن تستعبد القلب، سترٌ يحفظ كرامة الناس، وجبرٌ للخواطر حتى عند الاختلاف، وتواضعٌ يجعل الإنسان كبيرًا دون أن يحتاج إلى أن يصغّر الآخرين.
وقد لمح الشيخ عبد العزيز الدباغ إلى هذا السر في كتابه «الإبريز»، حين وصف أولياء السودان بأن ولايتهم «كثيرة جدًا»، لكنها مستورة بالبساطة وعدم التصنّع، طهّر الله باطنهم بالمحن، وجعل سرهم مصونًا عن الأغيار.
هذه ليست مظاهر فاقة صنعتها الظروف، إنها بساطةٌ اختاروها، كانوا قادرين على أن يأخذوا الدنيا غلابا، لكنهم عرفوا أن أخطر ما في الدنيا أن تأخذهم هي، ولهذا قال شاعرهم الفيتوري:
«دُنْيَا لا يَمْلِكُهَا مَنْ يَمْلِكُهَا
أَغْنَى أَهْلِيهَا سَادَتُهَا الفُقَرَاءْ»
ثم بلغ بالحكمة ذروتها حين قال:
«الخاسرُ مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا
مَا تُعْطِيهِ عَلَى اسْتِحْيَاءْ».
(على استحياء!).. كأن العلاقة الصحيحة بالدنيا أن تأخذ مما تعطي النذر اليسير، لا أن تنتزع منها ما تمنع؛ أن تملك الأشياء، ولا تسمح للأشياء أن تملكك.
وكان السوداني الذي عرفه الناس، يحمل في تفاصيله الصغيرة، هذا السر بلا زيادة ودون نقصان.
يضحك.. ثم يضع يده على فيه قبل أن يقول: «أستغفر الله».
وكأن في السودان كان الضحك ذنبًا يوجب الاستغفار.
وكأن سيدنا لقمان، حكيم أهل السودان، ما زال يهمس من عمق الذاكرة النوبية، وفي آذاننا إلى اليوم: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾.
لا تصعّر خدك، لا تمشِ مرحًا، اقصد في مشيك، واغضض من صوتك، كأنها ليست وصايا لسلوك فردي أوصي به أبنه آنذاك، بل هندسةٌ روحية متكاملة: تواضعٌ بلا انكسار، وفرحٌ بلا غرور، وقوةٌ بلا صخب.
عمومًا في مدرسة الروح تلك، كان جبر الخاطر أبلغ من العقوبة.
فقد جاءت امرأةٌ تصنع الخمر إلى الشيخ عبد الباقي المكاشفي، تطلب الدعاء لرواج تجارتها، لم يكسر خاطرها، قال: «يا ربي، العبيد عبيدك، والمراد مرادك»، لم يجعل من خطل فكرتها مناسبةً لإهانتها.
وقال الشيخ أحمد الشايقي، حين عرف أن خيط الدخان الذي استدل به يقوده إلى «انداية» بأم عدارة، قال لحيرانِه:
«دعوا الناس لشأنهم، ولنا شأننا.»
هكذا كان الدين عند هؤلاء: إصلاحًا للذات قبل إصلاح الآخرين.
ولذلك جاءت عبارة محمود محمد طه كأنها مفتاح: «المتدين الحقيقي مهموم بتغيير ذاته، والمهووس دينيًا مشغول بتغيير الآخرين.»
ثم جاء الاستلاب، دخلت إلى الروح السودانية لغةٌ غريبة عنها: لغة الاستعلاء، والوصاية، والتصنيف، والتخوين، وتفتيش الضمائر، تحوّل السالك إلى قاضٍ، والدين إلى سلطة، والاختلاف إلى عداوة، والإنسان إلى مشروعٍ ينبغي أن يُصاغ ويُعاد تشكيله.
ولذلك، لم تكن خسارتنا سياسية فقط، لقد خسرنا في الحقيقة شيئًا عزيزًا من أنفسنا.
فعندما تشاهد الراقصين في حفلات القاهرة وأنقرة هذه الأيام، تدرك أننا قد فقدنا حتى معرفة شاعرنا صلاح أحمد إبراهيم بنا، وهو الذي كان يقول:
«اعرفهم الضامرين كالسياط
الناشفين من شقي
اللازمين حدهم
الوعرين مرتقي».
يذكرني ظن صلاح المضاع، بحسرة السيدة عائشة على أمثال هؤلاء عندما قالت: إنّ أول بلاء حدث في هذه الأمة بعد نبيها (ص) «الشبع».. فإنّ القوم لما شبعت بطونهم سمنت أبدانهم، فتصعّبت قلوبهم وجمحت شهواتهم.
ولهذا فإن دعوتي لاسترداد شخصية الإنسان السوداني المفقودة، ليست دعوة لعودة الماضي على علاته، ولا حنينًا إلى زمنٍ ولّى وأدبر، إنما هي محاولة لاسترداد سرٍّ إنساني نبيل، أن نستعيد كنز البساطة دون سذاجة، وقيمة التسامح دون ضعف، ولباس الستر دون خوف، وعيش الزهد دون انسحاب من الحياة، وممارسة التدين دون وصاية.
أن نعود إلى ذلك الإنسان الذي يملك الأشياء ولا تملكه، ويختلف مع غيره ولا يكرهه، ويفرح لكل جميل ولا يغفل، ويقوى بالحق ولا يستعلي على الناس.
وهنا تصبح العودة الطوعية إلى السودان أكبر من عودةٍ إلى جغرافيا.
فما جدوى أن نعود إلى الأرض، ونحمل الحرب في قلوبنا؟ وما جدوى أن نبني البيوت، ونترك الإنسان مهدمًا؟ وما جدوى أن نسترد المدن، ولا نسترد الشخصية التي تجعل من المدينة وطنًا؟
فقبل أن نعود إلى السودان، فلنعد إلى بذرة السوداني الذي فينا.
نترك خلفنا شيئًا من الغضب، وشيئًا من الكراهية، وشيئًا من الرغبة في الانتقام، وشيئًا من إدمان الحكم على الآخرين.
ثم نعود، فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
ومن هنا يبدأ الاسترداد: قلبٌ يتوب، ونفسٌ تصفو، وعقلٌ يتسع، ويدٌ تكف عن الأذى، ولسانٌ يخفض صوته، قد يبدو ذلك صغيرًا، لكن النهر نفسه لا يبدأ نهرًا، يبدأ بقطرة، والشخصية لا تُستعاد بمرسوم، لكنها تُستعاد فردًا فردًا، وشيئًا فشيئًا.
لعل السودان الذي نبحث عنه ليس غائبًا تمامًا، ربما هو مختبئٌ تحت ركام السنوات، في ضحكةٍ يتبعها استغفار، في يدٍ تجبر خاطرًا، في فقيرٍ يرفض أن تملك الدنيا قلبه.
وفي رجلٍ يقول: «دعوا الناس لشأنهم، ولنا شأننا»، في جارةٍ تستر عيب جارتها، في شيخٍ يعلّم الناس أسرار المحبة والرحمة، وفي إنسانٍ يمشي علي الأرض ولا يرى نفسه فوق أحد.
هناك، في هذه التفاصيل الصغيرة التي كدنا ننساها، تعيش الشخصية السودانية المفقودة، فاستعادتها ليست بأن نصنع سودانيًا جديدًا، لكن بأن نزيل عن هذا السوداني نفسه ما ليس منه.
أن ننفض عن الروح غبار الاستلاب، حتى يظهر الإنسان الأنقى ناهضاً، من ذلك الطين المبارك.
إذ عندما يعود هذا الإنسان، لن تكون عودة السودانيين إلى السودان مجرد رحلةٍ من منفى إلى وطن، ستكون هي: عودة الوطن إلى أهله، وعودة الإنسان إلى نفسه، وعودة الروح إلى السودان بأسره، وهنا فقط تكتمل العودة كما ينبغي أن تكون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى