
لم تكن أزمة الزراعة في السودان يوماً أزمة إنتاج وحده. فقد امتدت جذورها إلى الطريقة التي أُديرت بها الأرض، وإلى العلاقة بين المنتج والدولة، وإلى موقع الريف في صناعة القرار الاقتصادي والسياسي. ولهذا فإن الحديث عن إصلاح الزراعة بعد الحرب لا يمكن أن ينحصر في إعادة تشغيل المشاريع المتوقفة أو تعويض ما دمرته المعارك، مهما كانت أهمية ذلك.
لقد كشفت الحرب هشاشة منظومة ظلت تتراكم مشكلاتها لسنوات طويلة. تعطلت طرق الإنتاج والتسويق، نزحت أعداد كبيرة من المزارعين والرعاة، تضررت البنية الزراعية، وتراجعت قدرة المجتمعات الريفية على الوصول إلى المياه والأسواق والخدمات. لكن الحرب، في الوقت نفسه، كشفت شيئاً أعمق: أن علاقة السودان بالأرض لم تُحسم ضمن نظام واضح وعادل يستطيع أن يستوعب التحولات الاجتماعية والاقتصادية والمناخية التي شهدها البلد.
الأرض في السودان ليست مجرد أصل اقتصادي. إنها مصدر للعيش، وامتداد للمجتمع، ومرتكز للاستقرار، ومجال تتقاطع فيه الزراعة والرعي والمياه والسكن والأسواق. وفي مناطق واسعة من دارفور وكردفان والنيل الأزرق، تتداخل هذه الاستخدامات بصورة تجعل أي تغيير في واحدة منها مؤثراً مباشرة في الأخرى.
ولهذا كانت قضايا الحيازة والأراضي الزراعية والمراعي ومسارات الرعي ومصادر المياه حاضرة دائماً في حياة المجتمعات الريفية. وعندما تضعف المؤسسات التي تنظم هذه العلاقات، أو تصبح القواعد غير واضحة، أو تتعارض الأعراف المحلية مع الإدارة الرسمية، تتحول المنافسة على الموارد من خلاف يمكن إدارته إلى مصدر للتوتر والصراع.
هذه الحقيقة تجعل إصلاح الزراعة جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء السلام. فالسلام الذي يكتفي بإيقاف القتال ولا يعالج الطريقة التي تُدار بها الموارد يظل معرضاً للهشاشة. أما السلام الذي يرافقه نظام أكثر وضوحاً وعدالة في إدارة الأرض والمياه والإنتاج، فإنه يفتح مجالاً مختلفاً أمام المجتمعات التي عاشت سنوات طويلة تحت ضغط الحرب والفقر والنزوح.
ومن هنا ينبغي أن تبدأ إعادة النظر في مسألة الأرض.
لا يتعلق الأمر فقط بمن يملكها وفق الوثائق القانونية، وإنما أيضاً بمن يحوزها ويزرعها ويستخدمها، وبالحقوق التي ترتبت عبر التاريخ، وبالمراعي ومسارات الحركة والمياه، وبالطريقة التي يمكن بها التوفيق بين هذه المصالح دون إنتاج مظالم جديدة.
هذه مهمة معقدة، ولا يمكن اختزالها في قرارات إدارية سريعة. السودان يحتاج إلى معالجة مؤسسية وقانونية واجتماعية لمسألة الأرض، تستفيد من الخبرة المحلية والعرفية، ولكنها في الوقت نفسه توفر حماية قانونية واضحة للحقوق وتمنع استخدام الأرض كأداة للإقصاء أو السيطرة.
والإصلاح الزراعي لا يكتمل بمجرد تنظيم الحيازة. فالمزارع قد يمتلك الأرض، لكنه يظل عاجزاً عن الاستفادة منها إذا لم يحصل على التمويل والمدخلات والمياه والخدمات الزراعية والمعلومات والأسواق.
لقد عانت الزراعة السودانية طويلاً من ضعف هذه الحلقة. كان المنتج يتحمل جانباً كبيراً من المخاطر، بينما تتوزع العوائد عبر سلسلة طويلة من الوسطاء والتجار والخدمات غير المنظمة. ولذلك فإن زيادة الإنتاج وحدها لا تعني بالضرورة تحسن حياة المنتج.
الإصلاح الحقيقي ينبغي أن ينقل الاهتمام من كمية الإنتاج فقط إلى القيمة التي يحتفظ بها المنتج والاقتصاد المحلي من ذلك الإنتاج.
وهنا تبرز أهمية سلاسل القيمة الزراعية والتصنيع والتخزين والنقل والتمويل والتسويق. فالقطن، على سبيل المثال، لا ينبغي أن ينتهي دوره عند خروج المحصول من الحقل، كما أن الصمغ العربي والثروة الحيوانية والحبوب الزيتية والغذاء المنتج محلياً يمكن أن تكون أساساً لصناعات توفر وظائف وتزيد القيمة المضافة داخل السودان.
البلد الذي يبيع موارده في صورتها الأولية ثم يستورد جزءاً كبيراً من قيمتها المصنعة يظل يفقد جانباً مهماً من الثروة التي تنتجها أرضه.
وهذا يقود إلى مسألة أخرى لا تقل أهمية: موقع المزارع داخل عملية اتخاذ القرار.
لسنوات طويلة، كانت السياسات الزراعية في كثير من الأحيان تُصاغ بعيداً عن المنتج نفسه. تصدر القرارات من المؤسسات المركزية، ثم تصل إلى الريف في صورة تعليمات أو برامج أو مشروعات. أما المعرفة المتراكمة لدى المزارعين والرعاة والمجتمعات المحلية فتظل أقل حضوراً مما ينبغي في صناعة السياسة.
إعادة بناء الزراعة بعد الحرب تحتاج إلى تغيير هذه العلاقة.
المزارع ليس مجرد مستفيد من مشروع حكومي، والرعي ليس نشاطاً هامشياً، والريف ليس منطقة تنتظر الخدمات من المركز. هؤلاء جميعاً أصحاب مصلحة في الاقتصاد الوطني، ويجب أن يكون لهم موقع حقيقي في صياغة السياسات التي تمس حياتهم ومصادر رزقهم.
وهذا يتطلب مؤسسات زراعية ومهنية أكثر كفاءة واستقلالاً، وتعاونيات حديثة، ونظم تمويل مناسبة، وخدمات إرشاد ومعلومات، ومؤسسات محلية قادرة على إدارة الموارد والنزاعات قبل أن تتحول إلى أزمات واسعة.
في دارفور تحديداً، تبدو هذه الحاجة أكثر وضوحاً.
فالزراعة المطرية والرعي ليسا قطاعين منفصلين يمكن إدارة كل واحد منهما بمعزل عن الآخر. كلاهما يعتمد على الأرض والمياه والمناخ، وكلاهما يتأثر بتغير مواسم الأمطار، وتوسع الزراعة، وحركة السكان، وتدهور المراعي، وغياب الخدمات.
لذلك فإن إعادة بناء الاقتصاد الريفي في دارفور تحتاج إلى رؤية تجمع هذه العناصر بدلاً من التعامل معها كملفات منفصلة.
تطوير المراعي، وتنظيم مصادر المياه، وحماية مسارات الرعي، ودعم الزراعة المطرية، وتحسين التخزين والأسواق، وتوفير تقنيات حصاد المياه، وتطوير خدمات بيطرية وزراعية، كلها تدخل في منظومة واحدة.
ومع تغير المناخ وتزايد تقلبات الأمطار، يصبح الحصول على المعلومات المناخية والإنذار المبكر جزءاً من حماية الإنتاج نفسه. فالمزارع الذي يعرف مبكراً احتمالات الجفاف أو تغير موسم الأمطار يستطيع أن يغير موعد الزراعة أو نوع المحصول أو حجم الاستثمار. والمجتمع الذي يمتلك نظاماً فعالاً للمعلومات يكون أكثر قدرة على الاستعداد للأزمات قبل وقوعها.
لهذا فإن التكنولوجيا الزراعية التي نحتاجها في السودان ليست بالضرورة التكنولوجيا الأكثر كلفة، وإنما التكنولوجيا التي تحل مشكلة حقيقية في حياة المنتج.
إنذار مبكر، معلومات مناخية دقيقة، خرائط للموارد، بيانات عن الأسواق، خدمات إرشاد عبر الهاتف، نظم دفع وتمويل أكثر مرونة؛ قد تكون هذه الأدوات أكثر تأثيراً على حياة ملايين المزارعين من مشروعات ضخمة لا تصل فوائدها إلى الحقول.
لكن كل ذلك لن ينجح إذا عادت الدولة بعد الحرب إلى الطريقة القديمة نفسها في إدارة القطاع الزراعي.
إعادة الإعمار لا ينبغي أن تعني إعادة إنتاج الماضي.
نحن بحاجة إلى إعادة بناء ما دمرته الحرب، لكننا بحاجة أيضاً إلى مراجعة النموذج الذي سبقها. فالترع والقنوات والمخازن والآلات يمكن إصلاحها، ولكن المؤسسات والقوانين والعلاقات الاقتصادية التي تحكم الإنتاج تحتاج هي الأخرى إلى إصلاح.
وهنا يصبح مشروع الإصلاح الزراعي جزءاً من مشروع إعادة بناء الدولة نفسها.
دولة تحمي حقوق الأرض، وتوفر بيئة مستقرة للاستثمار، وتحمي المنتج الصغير، وتنظم الأسواق، وتستثمر في البنية التحتية، وتوفر المعلومات، وتترك للمجتمعات المحلية مساحة حقيقية للمشاركة في إدارة مواردها.
وفي المقابل، يحتاج القطاع الخاص إلى الانتقال من نشاط يقوم في جانب منه على التجارة والمضاربة إلى استثمارات طويلة الأجل في الإنتاج والتصنيع والتخزين والخدمات الزراعية.
كما تحتاج المجتمعات الزراعية والرعوية إلى مؤسسات حديثة تستطيع أن تمثل مصالحها وتتفاوض حول الموارد بعيداً عن منطق القوة والسلاح.
بهذه الطريقة يمكن أن تتحول الأرض من أحد ميادين التنافس والصراع إلى قاعدة مشتركة للإنتاج.
وهذه ليست مهمة اقتصادية فقط.
في بلد مثل السودان، حيث ظل الريف يتحمل قسطاً كبيراً من آثار الحرب والفقر والنزوح، فإن بناء اقتصاد ريفي منتج ومستقر يمكن أن يغير طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة. عندما يجد المزارع طريقاً آمناً إلى السوق، ويحصل على التمويل والمياه والمعلومة، ويعرف حقوقه في الأرض، ويجد مؤسسات تحميه، يصبح لديه ما يخسره من الحرب وما يكسبه من السلام.
وهنا تتقاطع التنمية مع السلام بصورة مباشرة.
السلام المستدام لا يحتاج إلى اتفاقات سياسية فقط، رغم أهميتها، وإنما يحتاج أيضاً إلى حياة اقتصادية تجعل الاستقرار أكثر فائدة من الصراع.
ومن هذه الزاوية يصبح الإصلاح الزراعي أحد المداخل الأساسية لإعادة بناء السودان بعد الحرب.
لسنا بحاجة إلى زراعة تنتج أكثر فقط، وإنما إلى زراعة توزع فرصها بصورة أوسع، وتحفظ للأرض قيمتها، وتعطي المنتج موقعاً أفضل في سلسلة الاقتصاد، وتخلق وظائف في الريف، وتدعم المدن المرتبطة به، وتفتح أمام الشباب مسارات جديدة بعيداً عن اقتصاد الحرب.
إن السودان يمتلك مساحة زراعية واسعة، وتنوعاً مناخياً، ومصادر مياه، وثروة حيوانية، وخبرات بشرية راكمها المزارعون لعقود طويلة. المشكلة ليست في غياب الموارد بقدر ما هي في ضعف النظام الذي يحول هذه الموارد إلى تنمية مستدامة.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى رؤية تتجاوز فكرة «إعادة الزراعة» إلى بناء اقتصاد زراعي جديد.
اقتصاد تكون فيه الأرض أساساً للإنتاج لا للصراع، وتكون فيه المعرفة جزءاً من رأس المال الزراعي، ويصبح التصنيع امتداداً للحقل، ويصبح المنتج شريكاً في القرار، وتتحول البيانات والمناخ والتكنولوجيا إلى أدوات لحماية الإنتاج، وتصبح التنمية الريفية جزءاً من بناء السلام.
في المقال السابق، قادتنا تجربة مشروع الجزيرة إلى رؤية حجم الخلل الذي أصاب أحد أهم أعمدة الاقتصاد الزراعي السوداني.
أما هذه المرحلة من النقاش فتقودنا إلى مساحة أوسع: لا يمكن إصلاح مشروع واحد بمعزل عن إصلاح البيئة التي تعمل فيها الزراعة كلها.
فالأرض، والإنتاج، والمياه، والسوق، والمؤسسات، والإنسان الريفي، كلها حلقات في منظومة واحدة.
وإذا أردنا للسودان أن يخرج من الحرب إلى دولة مستقرة ومنتجة، فإن إعادة بناء هذه المنظومة ستكون واحدة من المعارك الكبرى في مرحلة ما بعد الحرب؛ معركة لا تُخاض بالسلاح، وإنما بالسياسات والمعرفة والمؤسسات والعمل الطويل.
الإصلاح الزراعي، في جوهره، ليس إعادة ترتيب للحقول فقط؛ إنه إعادة ترتيب للعلاقة بين الإنسان والأرض والدولة.
ومن هذه النقطة يمكن أن ننتقل في المقال القادم إلى الزراعة المطرية، حيث تبدأ قصة مختلفة: قصة ملايين المزارعين الذين يعتمدون على المطر، ويتعاملون مع هشاشة المناخ والسوق والأمن في آن واحد، وحيث يصبح الإنذار المبكر جزءاً من الأمن الغذائي والسلام الاجتماعي.



