محامون وسياسيون : السيطرة علي الفـاشـر ستؤدي لتغيير موازين الحرب في السودان!!
إدراك _ المحرر

شددت قوات الدعم السريع من خناقها على مدينة الفاشر اخر معاقل الجيش السوداني في إقليم دارفور، بعد وتيرة معارك متصاعدة ، تشهدها المدينة هذه الأيام ، وكشفت متابعات “إدراك” عن تقدم كبيير لقوات الدعم السريع، في شتى المحاور، وتوغل لأول مرة في مواقع إستراتيجية كانت تمثل أحصن منيعة لرئاسة الفرقة السادسة مشاة الواقعة في قلب المدينة.
ورسمت مصادر عسكرية ميدانية من الفاشر خريطة ميدانية تضمنت إختراقات كبيرة احدثتها قوات الدعم السريع خلال المعارك الدائرة الآن في المدينة ، حيث أفادت المصادر أن قوات الدعم السريع تجاوزت عقبة بحيرة الفاشر من الاتجاه الجنوبي الغربي، وسيطرت كليًا على “حي أولاد الريف” وأجزاء واسعة من “إشلاق الجيش” و”مطار الفاشر” وهي مواقع لأول مرة تدخلها قوات الدعم السريع منذ اليوم الأول لحرب 15 أبريل.
فيما تمكنت القوات المتقدمة من المحور الجنوبي من السيطرة على مقر قوات الشرطة والسجل المدني ملتحمة مع القوات المتقدمة من المحور الشرقي والتى سبق أن أعلنت سيطرتها على سوق الفاشر الكبير “حجر قدو” وباتت على مقربة من مسجد السلطان وأمانة الحكومة ، وتجاوزت القوات المتقدمة من إتجاه أحياء التضامن ، خور سيال والتجانية وتوغلت في حي الفاشر الثانوية الملاصق للسوق الكبير من الإتجاه الشمال الشرقي ملتحمة مع القوات المتقدمة عبر أحياء الثورة شمال، ديم سلك ، الزيادية التى وصلت الى حي القبة الذي يفصله من أسوار الفرقة مستشفي الفاشر التعليمي ومباني الهيئة الولائية للإذاعة والتلفزيون ، وسيطر الدعم السريع في أقصى الإتجاه الشمال الغربي على أحياء أبشوك وسوق نيفاشا بعد تجاوز أحياء النصر، و “دقاقاية” وأجزاء من حي درجة أولى الذي يحتضن فيه قادة القوى المشتركة التى تقاتل مع الجيش في الفاشر.
وبحسب المصادر تقلصت خريطة سيطرة الجيش والقوى المشتركة على مدينة الفاشر بشكل كبير ، وأصبح تواجد هذه المجموعات على شريط عمودي لا يتجاوز عرضه الإثنان كيلومتر ويمتد من رئاسة الفرقة السادسة مروراً بالسوق المركزي وحي الدرجة الاولى ، بالاضافة الى جامعة الفاشر وأجزاء من المطار.
الأهـمية الإستراتيجية
تقع الفاشر في اقليم دارفور دارفور غربي السودان وهي العاصمة التاريخية للإقليم وتبلغ مساحتها حوالي (24) ألف كيلومتر مربع، ويبلغ ارتفاعها عن سطح البحر نحو (700) متر، وتبعد عن العاصمة الخرطوم بنحو ألف كيلومتر إلى الجنوب الغربي، وتقع في ملتقى طرق ثلاث دول مجاورة للسودان، وهي: تشاد عبر معبر الطينة، وليبيا من خلال جبل العوينات والصحراء المفتوحة ، بالإضافة إلى مصر عبر الطريق التاريخي “درب الأربعين”
الفاشر نقطة تحول إستراتيجية
يقول المحلل السياسي والمراقب لقضايا الحرب والسلام، “إبراهيم البشير”، في حديثه لـ”إدراك” إن السيطرة المتوقعة لقوات الدعم السريع على مدينة الفاشر تمثل نقطة تحول استراتيجية كبرى، لما للمدينة من أهمية سياسية وعسكرية واجتماعية.
وأوضح “البشير” أن الفاشر احتفظت بقوات كبيرة طوال فترة الحرب، وأن السيطرة عليها عسكرياً تؤدي إلى تحرير تلك القوات وإعادة انتشارها في الجبهات الأخرى أبرزها الأبيض، الصحراء والدبة، مما يعزز فرص الدعم السريع في التقدم عسكريا في هذه المحاور ، مؤكدًا أن السيطرة على الفاشر ستقود إلى تفكيك تحالف بورتسودان الذي كان يراهن على صمود الفاشر باعتبارها “المدينة الأخيرة”، مشيراً إلى أن خسارتها ستكشف الكثير من الخلافات والنوايا المستبطنة داخل هذا التحالف، وتفجر القنابل الموقوته بين أطرافه ، وتضع هذا التحالف عمليا في “مهب الريح”، مضيفا أن السيطرة على الفاشر تعني أن إقليم دارفور بأكمله بات تحت سيطرة الدعم السريع، وأن الفاشر هي العاصمة الخامسة والاخيرة من عواصم الاقليم المحررة، وتسهل مهمة حاكم إقليم دارفور، الهادي إدريس، في إدارة الإقليم من عاصمته التاريخية، مما يجعل حاكم أكبر أقاليم السودان موجودًا في العاصمة التاريخية للإقليم، مؤكدا أن أولى مهام حاكم الاقليم يجب أن تكون العمل على عودة المواطنين على غرار ما حدث في نيالا والجنينة وزالنجي والضعين، وحمايتهم وتوفير الخدمالت الضرورية لهم، مشيرا الى أن أولى السيناريوهات المتوقعة بعد تحرير الفاشر هي انتهاء الاحتقانات الأهلية، معتبرًا أن هذه السيطرة تشكل مدخلا لفتح أبواب الحوار الأهلي، مشددًا على أن الصراع في أصله سياسي وليس إثنيًا، رغم تغذيته بالشكل الإثني من قبل دعاة الحرب وفلول النظام السابق سعياً للعودة إلى السلطة على حد قوله.
ووجه البشير رسالة إلى قادة الدعم السريع بمدينة الفاشر بضرورة التعامل وفق قوانين الحرب بعد السيطرة على المدينة، مؤكدا أن ذلك يسهم في إظهار القوات كقوات منضبطة وملتزمة بما درسته من القانون الدولي وقوانين الحرب، مشيدا بتوجيهات قائد قوات الدعم السريع ورئيس المجلس الرئاسي في حكومة السلام الفريق أول محمد حمدان دقول لقواته بضرورة توفير الحماية اللازمة للمواطنين وعدم التعرض على ممتلكاتهم ، مشددا على أهمية فرض هيبة الدولة على المدينة ومحاربة المتفلتين.
مستقبل مُظلم ينتظر الحركات المسلحة التى إصطفت بجانب الجيش، مما افقدها السند الشعبي في دارفور، ومواجهة رفض شعبي واسع في مناطق سيطرة الجيش
مستقبل مظلم للحركات
وفي السياق ذاته قال المحامي والمستشار القانوني “مصعب صالح” في حديثه لـ”إدراك” إن مدينة الفاشر تمثل المعقل الأخير للجيش وحلفائه من الحركات المسلحة وكتائب الإسلاميين المتشددة في إقليم دارفور، مبيناً أن ولاية شمال دارفور تحتل موقعاً استراتيجياً مهماً كونها معبراً يربط شمال دارفور بثلاث دول مجاورة، محملًا الحركات التى تقاتل مع الجيش مسؤولية ما حدث في الولاية من خراب ودمار جراء الحرب ، مضيفًا أن الحركات كانت تمتلك الفرصة لتجنيب الولاية ويلات الحرب، ولكنها رفضت ذلك واختارت أن تصطف مع عدوها التاريخي، وتقاتل كتف بكتف مع كتائب الاسلاميين والمؤتمر الوطني، ورسم “صالح” صورة قاتمة عن مستقبل هذه الحركات السياسي خاصة بعد سيطرة الدعم السريع على الفاشر ، مؤكدا أن علاقتها بتحالف بورتسودان مهددة بالإنهيار خاصة، وانها قوبلت برفض شعبي واسع عند دخول قواتها لكثير من الولايات التى تسيطر عليها الحركة الاسلامية ، مضيفًا ان المخرج الوحيد لهذه الحركات هو رفع يدها من تحالف بورتسودان والالتحاق بمشروع تأسيس وتقديم مصلحة أهل دارفور على مصالحهم الشخصية.
“أُم العواصم الإقليمية”
وقال المدير العام للحج والعمرة بولاية شمال دارفور سابقا والقيادي بحزب الأمة – شمال دارفور، وعضو تحالف تأسيس “الصادق سالم”، في حديثه لـ”إدراك” أن مدينة الفاشر برمزيتها التاريخية تُعد إحدى أهم حواضر الدولة السودانية، إذ تحمل أبعاداً استراتيجية متعددة عسكرياً واقتصادياً وإدارياً، وتُعرف بأنها “أم عواصم الأقاليم”.
وأشار سالم إلى أن الفاشر ارتبطت تاريخياً بكونها منبع الإداريين والقيادات الذين أثروا مؤسسات الدولة السودانية بخبراتهم، غير أن مجريات الحرب الراهنة التى أشعلتها الحركة الإسلامية عبر الجيش المنتمي لتنظيم الإخوان المسلمين، والذي ظل – بحسب قوله – مهدداً للأنظمة الديمقراطية ومجهضاً لها، تسببت في تدمير المدينة و تدمير مقدرات الشعب السوداني، في محاولة لإعادة الحركة الإسلامية التي أطاح بها الشعب في ثورة شبابية قومية.
مضيفًا أن مآلات الحرب في الفاشر يتحملها “الجيش الإسلامي” والحركات المتحالفة معه، استناداً إلى اتفاقيات سرية جمعت الحركات المسلحة بالجيش منذ اتفاقية جوبا ، وظهرت إلى العلن عقب انقلاب 2021، عندما كشفها مبارك الفاضل المهدي ولم تنفها تلك الحركات، مشيرا الى محاولة الدعم السريع الى تجاوز القتال في مدينة الفاشر كان لأسباب محلية وإقليمية مرتبطة بأهمية المدينة الاستراتيجية كمعبر رئيسي للحركة التجارية التى تسهم في تقليل أعباء المعيشة للمواطنين ، إلا أن إنحياز تلك الحركات لاحقاً إلى الجيش بدوافعه الاثنية والمصلحية أدخل الواية في دوامة المعارك العسرية التى قضت على الاخضر واليابس.
وبيّن سالم أن قيادة الدعم السريع سبق وأن استجابت لنداءات الوالي السابق نمر محمد عبدالرحمن بالسماح بخروج المواطنين وتأجيل الهجوم، غير أن إنحياز الحركات الى الجيش أعاد موجة الاقتتال، وأضاف أن القتال تحول إلى طابع أكثر شراسة، ما مكّن الدعم السريع من السيطرة على مواقع استراتيجية والتضييق على الجيش وحلفائه، الذين انسحبوا تدريجياً إلى داخل المدينة.
يمثل سقوط الفاشر فقدان الحركات المسلحة لدورها السياسي والعسكري في السودان، مما يشير إلى تغيير الموازين
وتوقع سالم أن سقوط الفاشر بات وشيكاً في يد الدعم السريع، استناداً إلى التفوق الواضح في العتاد والانتشار العسكري، مقابل التراجع الكبير للجيش وحلفائه، موضحا أن أهمية الفاشر تكمن في كونها مدينة استراتيجية تمكّن الدعم السريع من التضييق على بابنوسة والأبيض وفتح جبهات قتال جديدة، إضافة إلى الاستفادة من القوات الكبيرة المتمركزة في الفاشر وتخومها، والتي تُعد جيوشاً نوعية ومدربة، يمكن أن تُحدث تغييراً في مجريات الحرب إذا أعيد إنتشارها.
تكسير العظام
ووصف “سالم” معركة الفاشر بأنها “معركة تكسير العظام”، وقال: إستخدم الجيش كل ما يمكن للحيلولة دون سقوط الفاشر، وفشله في المحافظة على المدينة سوف يكبده خسائر كبيرة في العتاد والمقاتلين، نظراً للإمكانيات الضخمة التي خصصها لهذه الجبهة، مؤكدًا أن سقوط الفاشر سيُحدث تحولات كبرى، في ظل تنامي الأصوات المنتقدة للحركات المسلحة من أبناء الأقاليم الأخرى، على إعتبار أنها فقدت مبررات وجودها ودورها السياسي والعسكري، بعد أن خسرت أهم مواقعها الاستراتيجية وهي الفاشر، مما يؤدي بدوره الى تغيير كبير في موازين الحرب.



