
” كيف يُغرق الإخوان السودان في الدم ويهددون الأمن العالمي؟”.. سؤال طرحته وأجابت عليه مجلة «لو بوان» الفرنسية، مؤكدة أن وراء استمرار النزاع تغلغل الإخوان داخل المؤسسة العسكرية.
واعتبرت المجلة في تحليلها أن الحرب التي تعصف بالسودان منذ 15 أبريل 2023م لم تعد مجرد مواجهة بين جناحين مسلحين، بل باتت انعكاسًا لتحالف معقد بين السلطة العسكرية وشبكات أيديولوجية من تنظيم الإخوان تسعى إلى إعادة التموضع داخل الدولة، بما يطيل أمد الحرب ويعقّد أي مسار نحو تسوية سياسية شاملة.
وهو ما بدا مع انسجام موقف قائد الجيش عبد الفتاح البرهان مع جماعة الإخوان في استمرار الحرب رغم الضغوط الدولية لوقف إطلاق النار، مبديا رفضه لأي هدنة غير مشروطة، حتى لو كانت خلال شهر رمضان.
وبينما تتسع رقعة الدمار، وتُسجَّل أرقام قياسية في النزوح والانتهاكات، تتعالى التحذيرات من أن ما يجري في السودان لم يعد شأنًا داخليًا، بل تهديدًا لاستقرار إقليمي يمتد من القرن الإفريقي إلى البحر الأحمر.
“لتعزيز سيطرته علي قرار الجيش قام البرهان بدمج وحدات إخوانية بالجيش”
إندماج الأيديولوجيا بالقوة العسكرية
وبحسب ما أورده التحليل، فقد قام البرهان بدمج وحدات مرتبطة بجماعة الإخوان ضمن القوات المسلحة، في سياق تعزيز سيطرته خلال الحرب.وفي هذا السياق، أكد محمد توحيدي، المستشار في شؤون مكافحة التطرف والإرهاب لدى مركز تريندز للبحوث والاستشارات، أن هذه الخطوة أفضت إلى «هيكل أمني هجين يجمع بين جنود الدولة ومتطوعين من الإخوان ما حوّل القوات المسلحة إلى قوة طائفية منسجمة مع أهداف متطرفة».وأضاف أن هذا «الاندماج بين الأيديولوجيا والقوة العسكرية» يخلّف آثارًا مدمرة في بلد أنهكته الحرب والانقسامات العرقية.
وسلط تحليل المجلة الضوء على التقرير الذي نشرته وزارة الداخلية الفرنسية حول تغلغل جماعة الإخوان في فرنسا، في مايو 2025م، والذي حذّر من «التهديد الذي يمثله هذا التنظيم على التماسك الوطني»، مشيرين إلى أن أعضاءه يسعون إلى نشر أيديولوجيتهم داخل المجتمع الفرنسي بطريقة خفية، أو بحسب تعبير التقرير «من القاعدة إلى القمة».
ولفت كذلك إلى استراتيجية التمدد التي تعتمدها جماعة الإخوان، والتي تأسست عام 1928 في مصر، وهي استراتيجية تُطبق في العديد من الدول، خصوصًا في شمال وشرق القارة الإفريقية، في مصر بالطبع؛ وفي ليبيا، حيث تكاثرت المليشيات منذ سقوط القذافي؛ وفي تونس، حيث حظي الإخوان بعد عام 2011 بنفوذ سياسي مهم عبر حزب النهضة؛ وغيرها، كما أن منطقة القرن الأفريقي ليست بمنأى عن أطماع التنظيم.
إرث البشير.. جذور ممتدة
ووفق «لو بوان» لا يُعد حضور الإخوان داخل مؤسسات الدولة السودانية جديدًا بل أكدت أن «نفوذهم الأقدم والأكثر ضررًا يتجذر في السودان».
ففي عهد عمر البشير (1989-2019)، تسلل فرع الجماعة إلى أجهزة الإدارة والجيش والاستخبارات، ورسّخ نفوذًا عميقًا داخل الدولة.ورغم سقوط البشير عام 2019، ثم انقلاب 2021 بقيادة البرهان، لم يؤدِّ إلى تفكيك هذا النفوذ.
بل يشير التحليل إلى استمرار دمج مليشيات متطرفة وعناصر الإخوان ضمن القوات المسلحة، ما زاد من تداخل الحدود بين الجيش النظامي والعناصر المتطرفة والمؤدلجة.
“الحرب لم تعد مواجهة عسكرية وانما إنعكاسا لتحالف الجيش والإخوان”
عقوبات وإتهامات بانتهاكات خطيرة
على المستوى الدولي، فرضت وزارة الخارجية الأمريكية في مايو 2025 عقوبات على القوات المسلحة السودانية بسبب استخدامها أسلحة كيميائية، كما وُجهت إليها اتهامات بارتكاب مجازر ذات طابع عرقي.
وفي 15 فبراير، أعرب فولفرام فيتر، رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي في السودان، عن «صدمته من الحكم بالإعدام رجمًا بحق امرأتين سودانيتين»، معتبرًا أن ذلك يمثل «عودة التطرف إلى النظام القضائي» في البلاد.
البحر الأحمر.. بؤرة توتر عالمية محتملة
ولفت التحليل إلى أن التصعيد الدموي الذي تغذيه الشبكات المتطرفة في السودان يزعزع استقرار المنطقة بأسرها.ويمتد السودان على أكثر من ألف كيلومتر على ساحل البحر الأحمر، يقع عند مفترق طرق الملاحة العالمية، وأي اضطراب فيه في ظل تصاعد نفوذ تيارات متطرفة داخل المؤسسة العسكرية، يهدد طرقًا تجارية حيوية لمليارات البشر، وينعكس على استقرار الملاحة الدولية وأمن الطاقة.وقد اتخذ البرهان من بورتسودان، التي كانت مركزًا تجاريًا دوليًا، مقرًا لقيادته وقاعدة لوجستية عسكرية، ما يمنح الفصائل الأكثر تشددًا داخل الجيش هامش تأثير في منطقة بالغة الحساسية جيوسياسيًا.
وتبدو كل المقومات متوفرة لتحويل السودان، تحت تأثير الإخوان، إلى بؤرة توتر إقليمية وقارية بل وحتى عالمية، وفق التحليل.
ووصف مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان الحرب بأنها خرجت عن السيطرة، محذرًا من «خطر متزايد لزعزعة الاستقرار الإقليمي».
«الرباعية».. إستبعاد الإخوان شرط للتسوية
في 12 سبتمبر الماضي، أصدر تحالف «الرباعية» الذي يضم الولايات المتحدة ودولة الإمارات ومصر والسعودية بيانًا دعا إلى هدنة إنسانية، وإلى استبعاد جماعة الإخوان نهائيًا من أي اتفاق للحكم.
ويعكس هذا الموقف قناعة بأن إنهاء الحرب لا يمكن أن يتحقق دون معالجة البعد الأيديولوجي للنزاع، وفصل المؤسسة العسكرية عن الشبكات العقائدية المسلحة. وهو إقرار ضمني بأن السلام لن يتحقق دون نزع سلاح الإخوان، عسكريًا وأيديولوجيًا، في السودان وبقية العالم.



