مقالات واراء

هل الحركة الإسلامية هي المعرقل الوحيد لمساعي السلام في السودان

الحبيب محمد يونس

تتجدد الأسئلة حول جوهر الأزمة السودانية وأطرافها الفاعلة كلما تعثرت مسارات التفاوض وتعمقت الحرب الدائرة منذ 15 إبريل 2023. ورغم وضوح دور الحركة الإسلامية في تعطيل السلام، فإنّ حصر الأزمة في هذا العامل وحده يغفل شبكة أعقد من الارتباطات الإقليمية والتاريخية التي أسست لانهيار الدولة السودانية. يحاول هذا المقال تحليل العلاقة بين الجيش السوداني والحركة الإسلامية، ودور مصر في تشكيل عقيدة المؤسسة العسكرية، وكيف تداخل هذا كله ليجعل من الحركة الإسلامية والقوى الإقليمية المتحالفة معها أطرافاً مركزية في إعاقة أي تقدم نحو سلام حقيقي.

إنّ فهم جذور الحرب في السودان لا يكتمل دون تحليل البنية التاريخية للمؤسسة العسكرية ودورها في تشكيل مسار الدولة الحديثة. فمنذ نشأة الجيش السوداني في ظل الاستعمار الثنائي والذي عُرف حينها بقوة دفاع السودان، لم يُبنَ هذا الجيش على أساس وطني خالص، بل تكوّن في إطار نفوذ مصري مباشر شكّل عقيدته وتوجهاته. فقد أرادت مصر، بوصفها وريثاً لنفوذ استعماري، جيشاً سودانياً يعمل ضمن منظومة إقليمية تخدم مصالحها الاستراتيجية، خصوصاً في ملفات المياه والاقتصاد والحدود والسيطرة الجيوسياسية. وهكذا ترسخت عبر العقود علاقة تبعية غير معلنة، جعلت الجيش السوداني أقرب إلى مصر من قربه إلى السودان، وهو ما أضعف استقلاليته البنيوية ووعيه الوطني.

هذا الإرث من الوصاية المصرية مهّد الطريق للحركة الإسلامية لاحقاً للسيطرة على الجيش بعد انقلابها في 30 يونيو 1989. فالمؤسسة التي أضعفتها التبعية التاريخية وأفقدتها عقيدة وطنية موحدة، كانت أكثر هشاشة أمام مشروع اختراق داخلي منظّم. وعندما استولت الحركة الإسلامية على السلطة، لم تبدأ من الصفر، بل وجدت جيشاً مفكك الهوية، وتمكنت بسهولة من إعادة تشكيله وفق رؤيتها الأيديولوجية. فقامت بهيكلة المؤسسة العسكرية من الأسفل إلى الأعلى، لتصبح أداة حزبية تعمل بأمر التنظيم، وتنفّذ مشروع الإسلاميين في الداخل، بينما ظل جزء من قيادتها يتحرك وفق المعادلات الإقليمية التي تتقاطع فيها مصالح الحركة الإسلامية مع أولويات مصر.

هذا الازدواج—التبعية المصرية السابقة ثم السيطرة الأيديولوجية اللاحقة—أنتج بنية عسكرية غير وطنية لعبت الدور الأكبر في تعطيل مسار السلام والاستقرار. فقد عطّلت الحركة الإسلامية التنمية، وأشعلت الحروب الأهلية، وقهرت التنوع الثقافي والإثني، وخصخصت أهم قطاعات الإنتاج، ومولت الإرهاب العابر للحدود، وحوّلت مؤسسات الدولة إلى بيوت طاعة حزبية، بينما ظل النفوذ المصري حاضراً داخل المؤسسة العسكرية بما يضمن بقاء السودان ضعيفاً سياسياً وأمنياً.

اندلاع حرب 15 إبريل 2023 لم يكن حدثاً معزولاً، بل امتداداً لمسار طويل من عسكرة الدولة وإحكام قبضة الحركة الإسلامية على الجيش الذي ظل تاريخياً يعمل وفق حسابات غير وطنية. وقد كشفت الحرب انهيار المنظومة الأمنية منذ الطلقة الأولى، ما أدى إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة: ملايين النازحين، والجوع، والمرض، وانهيار الخدمات، وكل ذلك موثق في تقارير دولية.

وعلى الرغم من جهود الوساطات الدولية، من جدة والمنامة وجنيف وحتى مبادرة الرباعية الأخيرة بجانب الوساطة الامريكيه ظلت مساعي وقف الحرب تتعثر بسبب تعنت الجيش السوداني الذي ما زالت بنيته القيادية أسيرة للحركة الإسلامية من الداخل، وللنظام المصري المهيمن من الخارج وقد جاءت تصريحات البرهان في الأسبوع الماضي، الذي هاجم فيه المبعوث الأمريكي مسعد بوليس واتهمه بعدم الحياد وشكك في موقف الرباعية، فقد كشف أمراً بالغ الأهمية فعندما قال إن “الأشقاء يقفون معنا”، فهم السودانيون فوراً المقصود لا توجد دولة في الإقليم تقف مع البرهان في رفض السلام سوى مصر، لمصالح معلومة وحسابات تاريخية، ورغم أن مصر عضو في الرباعية، إلا أنها ليست جزءاً من إرادة السلام التي تسعى إليها الأطراف الأخرى، ونواياها أصبحت واضحة للسودانيين.

إن التركيز على الحركة الإسلامية بوصفها العائق الوحيد للسلام يخفي الدور المصري، وهو دور يتجاوز في تأثيره كل الأطراف الأخرى. فالقاهرة، من أجل الحفاظ على نفوذها، مستعدة للتحالف مع الحركة الإسلامية في السودان رغم موقفها المبدئي منهم داخل مصر، طالما أن هذا التحالف يضمن بقاء الجيش السوداني على صورته الحالية. ذلك لأن أي اتفاق بين السودانيين بالضرورة سيؤدي إلى تكوين جيش قومي ومهنى موحد، يعكس التنوع السوداني كما تطالب به قوى الهامش والتى يقودها تحالف تأسيس وقوى الثورة—سينهي تماماً قبضت مصر على المؤسسة العسكرية وعندما يفقد الجيش تبعيته لمصر، ستتراجع مصالحها وتتقلص هيمنتها، لتصبح دولة جارة فقط وليست وصية على القرار السوداني.

ولهذا فإن رفض السلام في السودان ليس شأن الكيزان فحسب، بل جزء من صراع نفوذ إقليمي تُعدّ مصر أبرز أطرافه. وكلما اقترب السودانيون من تسوية تُنهي الحرب، ازداد قلق القاهرة التي ترى في استقرار السودان تهديداً لبنيتها الاستراتيجية.

ختاماً، إن معركة السلام في السودان لن تُحسم ما لم تُكشف الأدوار الإقليمية التي تعيقها، وعلى رأسها مصر، ويُعاد بناء الجيش على أسس وطنية تعبر عن كل السودانيين. فالسودان لن ينهض إلا بجيش قومي موحد، ودولة مستقلة القرار، وشعب واعٍ يدرك من يعادي سلامه في الداخل ومن يعاديه في الخارج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى