تقارير وحوارات

تجييش القبائل.. الإسلاميون وصناعة (المليشيات) في السودان

إدراك _ المحرر

يرى مراقبون أن حرب الخامس عشر من أبريل، لم تعد بين جنرالين، أو بين كتائب البراء وقوات الدعم السريع، فهناك من يسعى لأن تتسع رقعة الحرب، لتتحول لحرب أهلية تقضي على ما تبقى من تماسك النسيج الاجتماعي في السودان، البيان الذي أصدره ناظر قبيلة البطاحين، والذي دعى من خلاله إلى تسليح القبيلة، وتكوين قوة مسلحة شعبية (ميليشيا قبلية لحماية أرض القبيلة، حيث يرى مراقبون أن حرب (أبريل) أخذت منعطفاً أكثر خطورة، وأن القادم اسوأ.. قبائل الشرق انخرطت في معسكرات تحت دعاوى حماية الأرض، أضافة لتسليح قبائل شرق الجزيرة، ويؤكد بيان ناظر البطاحين منتصر خالد محمد صديق طلحة جاء فيه: ” إعلانهم تكوين قوة ضاربة من أفراد القبيلة بولاية الخرطوم وكل مكوناتها، لتكون ظهيرًا وسندًا لقوات شعبنا المسلحة..”

 ودعوة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان المواطنين لحمل السلاح يراها خبراء أنه دشن رسمياً وعلانيةً عصر الميليشيات القبلية المسلحة، في بلد تتساكن فيه وتتعايش مئات القبائل، مما يجعل البلاد مقبلة على نحو (500) مليشيا مسلحة، في مناطق تماس مشتركة وملتهبة.. فهل تقضي خطوات تسليح القبائل وصناعة المليشيات القبلية على ما تبقى من التماسك المجتمعي..؟ وهل تتخذ الحرب طابعا قبليا والعودة عشرات السنين للوراء..؟

حميدتي في إحدي خطاباته أكد إنه لا يقاتل من أجل قبيلة او جهة وإنما يقود ثورة ضد التهميش”

الميليشيات القبلية

هل قوات الدعم السريع تنتمي لقبيلة محددة؟ تساؤل أجاب عليه قائد قوات الدعم السريع الجنرال (حميدتي) في أحد خطاباته، بأنه لا يقاتل من أجل قبيلة أو جهة محددة، وأن ما يقوده الآن ثورة ضد التهميش، وضد عودة الاسلاميين للحكم، القيادات الميدانية للدعم السريع ذهبت في ذات الأتجاه لتأكد حضور ولايات الوسط وسنار، الشرق والنيل الأزرق ولم يستثنى التوقيع على الحضور ولايتي نهر النيل والشمالية،، بالرغم من صفة (الجهوية) التي حاولت حكومة بورتسودان أن تصبغها على الطرف الآخر من حرب أبريل.

ويري الباحث في تأريخ الحركة الاسلامية د. محمد المجتبى عثمان في حديثه لـ(إدراك):إن الاسلاميون أشعلوا حرب أبريل من أجل العودة للحكم، بعد أن أحرق الشارع السوداني والقوى السياسية، مراكب عودتهم للسلطة، وحطمت ثورة ديسمبر ما تبقى من أمل، فكان لابد من التخلص من قوات الدعم السريع، لدعمه الأتفاق الأطاري باعتبارها الوثيقة التي تقضي على عودتهم، واستخدم الاسلاميون الجيش لاخضاع الشعب السوداني والانقلاب على الثورة، بانقسام الجيش في بداية الحرب بين رافض ومشارك على مضض، أنتهت اسطورة الجيش السوداني في الثلاثة أشهر الأولى من الحرب، وما تبقى ينتمي للتيار الأسلامي أكثر من أنتماءه لمؤسسة الجيش.. ليقوم الاسلاميون بتجييش القبائل تحت ذريعة حماية الأعراض والأرض.

 ويمضي عثمان إلى أن استثارة النزعة القبلية ساهمت بشكل كبير في تعقيد توجهات حرب الخامس عشر من أبريل، وسحقت المئآت من الأبرياء في شرق الجزيرة ووسطها، قوات (كيكل) أثارت قبائل وسط السودان وتخوفها من استعادة الماضي واقتتال قبائل البطانة، ودعوة ناظر قبيلة البطاحين ليس المقصود بها مواجهة الدعم السريع بل قوى (كيكل) المدعومة من سلطة بورتسودان.

اما الخبير العسكري صلاح سرالختم قال لـ(إدراك): إن الواقع يقول أن مناطق البطاحين لم تطالها الحرب، والقائد (حميدتي) استوصى بهم خيرا لدى قيادات قواته، وكانوا آمنين قبل دخول قوات (كيكل) لسهول البطانة، أو هذا ما دفع الناظر للاشارة إلى أن القوة المزمع تشكيلها (جندًا وقادة) من أبناء القبيلة، وبرر ذلك بأنهم يريدون تكوين هذه القوة العسكرية لقطع الطريق أمام جهات – لم يسمِّها – قال إنها فتحت مكاتب للتجنيد في مناطق نفوذ القبيلة، وكذلك أمام ظهور كيانات في كل بقاع السودان لتكوين أجسام عسكرية شعبية. وأكد أن أبناء القبيلة يستحيل أن يقاتلوا تحت لواء لا يحمل اسمهم أو تكون قيادته من غيرهم، وأن هذا يتطلب أن يكون قادة القوة من أبناء القبيلة والمنطقة.. سر الختم يذهب إلى أن هنالك اتفاق تم بين قيادات الدعم السريع في منطقة شرق النيل في وقت سابق، بموجبه تم تكوين قوة في المنطقة يتم التنسيق بينها وقوات الدعم السريع، لكن خروج الأخيرة من شرق النيل، أدى لخلل في موازين القوى، مما يستدعي البحث عن آليات حماية جديدة.

مخاوف تأريخية

تؤكد وثائق تأريخية أن مخاوف البطاحين منطقية ومبررة، فلا يمكن أن تظل القبيلة بدون سلاح، بينما أعداؤها التاريخيون المجاورون من الشكرية والهدندوة مسلحون، ولديهم ميليشيات قبلية مدعومة من الجيش ومسلحة من قبل قائده عبد الفتاح البرهان. ويقول التاريخ الحديث للسودان إنه في عام 1803م، هاجم الشكرية والهدندوة قبيلتي البطاحين والخوالدة، وتم طردهم إلى شمال وشرق البطانة. وفي عام 1818م، قتل “علي ود برير”، كبير البطاحين، الشيخ “حامد ود أب سن”، زعيم الشكرية، ثم هرب إلى شندي، واستنجد بالمك نمر، وبقي في شندي تحت حمايته. ولما طالب الشكرية المك نمر بتسليمه، رفض، فقام الشكرية بتسيير جيش وعسكروا بالقرب من شندي، لكن المطلوب (علي ود برير) هرب من شندي، وانتهت المشكلة تلقائيًا. عاد الشكرية إلى ديارهم عبر النيلين الأبيض والأزرق وقتلوا من قابلوه في طريق العودة من رجال ونساء البطاحين؛ كما ورد في كتاب “آي روبنسون” بعنوان: (نمر: شندي الأخير). وتشير تقارير منشورة إلى أنه لا يمكن للبطاحين أن يسلموا أمرهم لميليشيات (درع البطانة) التابعة للشكرية والبوادرة، والتي يقودها العميل المزدوج وقاطع الطُرق “أبو عاقلة كيكل” قبل انضمامه للجيش، الدعم السريع ومرة أخرى للجيش، أو أن ينتظروا ليواجهوا مصيرهم أمام ميليشيات المك نمر الجديدة في شندي وما جاورها. لذا، لا بدّ لهذه القبائل من التسلح للدفاع عن نفسها في الحرب القبلية القادمة.

“حروب البطاحين والشكرية كثيرة وأخرها واقعة المندرة في العام 1871 م في منطقة الفاو”

حـروب البطاحين

الاستاذ ميرغني ديشاب يؤكد في مسودته التأريخية أن حروب البطاحين كثيرة، خاصة ضدَّ الشكرية. وأول حربٍ لهم ضدَّها كانت واقعة المندرة كانت عام ١٨٧١م في منطقة الفاو. وبعدها كانت الواقعة (أب جِبَّة)، و(واقعة الحَجَر) و(عُلْوان)، ولمَّا كثرت هذه الحروب بينها، (كان من بين شيوخ البطاحين من كان حريصاً على علاقة سلام بين البطاحين والشكرية، وهو الشيخ عبد الباقي من أهل الدين من البطاحين. وقد صالح بينها عام ۱۸۰۷م عن طريق معاهدات تمَّت بينه وبين أبناء أحمد بك أبوسن تزوّج كلّ منهم من الطرف الآخر) وكان أحمد بك أبو سن زعيم البطانة وحاكم الخرطوم – أهليَّاً – وسنار ما بين عامي ١٨٦٠-1870، ومن الملاحظ أن هذا الصلح كان في زمن متأخر.الباحث الطيب محمد الطيب يؤكد ما ذهب إليه ديشاب: (كانت قبائل عديدة تساكن الشكرية بأرض البطانة. وأهم هذه القبائل البطاحين والكواهلة والركابيون. وقد قامت عدة حروبات بين تلك القبائل في الثلث الأول من القرن السادس عشر الميلادي).وهي مبذولة بمحرك البحث “قوقل”

“الإسلاميون أشعلوا الحرب من أجل العودة للحكم بعد أن أحرق الشارع مراكب عودتهم للسلطة”

خــروج

حرب الخامس عشر من أبريل وإن وحّدت المكونات (الدارفوكردفانية) وبعض المكونات السنارية وجنوب النيل الأزرق، إلى أنها فتقت جرحا قبليا في سهول البطانة وشرق السودان، ترى الباحثة الاجتماعية هند عبدالعزيز أنه تم استغلالها للمشاركة في (الحريق الكبير).. حيث أنه بالرغم من الصراعات التأريخية في المنطقة، إلا أنها شهدت سكونا لفترة طويلة، لكن يعود الآن من جديد بشكل أقوى.

تُرى هل يقضي الاسلاميون على ما تبقى من من النسيج الاجتماعي، واستدعاء صراعات الماضي، أم تتحد الجهود من أجل سودان متحد متعايش.. تساؤلات لن تجد لها إجابات قبل أن تضع حرب الخامس عشر من أبريل رحالها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى