مقالات واراء

الحركة الإسلامية …قراءة في إعادة إنتاج الأزمة

احمد السميح

نحن بحاجة إلى قراءة واعية للتاريخ، وإيقاف عجلة التكرار الأعمى. فلسنا مجبرين على إعادة الأحداث مرتين، فالتاريخ يحكي بكل تفاصيله عن دارفور، عن الماضي والحاضر، عن الروايات والقصص التي تتقاطع مع ما يحدث الآن. إذا أمعنا النظر، سنجد أن عقلية “دولة 56” تتجلى بوضوح داخل الحركة الإسلامية، تلك الحركة التي لم تمنح نفسها الوقت للمراجعة، بل ظلت متمادية في الغطرسة، بعقلية الهيمنة والاحتكار مقتنعة بعدم وجود منافس لتنظيمها السياسي والاجتماعي الضخم في السودان.

فقد خرج من رحم هذا التنظيم غالبية القادة الذين انقلبوا عليه، ومع ذلك، لا يزال التنظيم يحتضن معارضيه وفق مبدأ (عدو عدوي صديقي) ، مستغلًا التناقضات لضمان بقائه في مركز السلطة. احتكر القرارات السياسية والاجتماعية، متحصنًا داخل طبقة اجتماعية تفرض التسامع مع الشايقية في المقام الأول، ثم أبناء الشمال في المقام الثاني، بينما يتم التعامل مع “الآخر” بالرفض والتهميش.

والمفارقة أن هذه الحركة الإسلامية، التي تسامحت مع انقلاب صلاح قوش عليها بحكم انتمائه الإثني، لم تتسامح مع داؤود يحيى بولاد، أحد أبنائها، بل طاردته حتى اغتالته. ولن ينسى التاريخ أن بولاد، الذي أسس تنظيمه من قاعدته الاجتماعية في دارفور، لم يكن سوى أحد أفرادها الذين قرروا التمرد على نهجها، تمامًا كما فعل خليل إبراهيم، الذي انتهى تمرده بالموت تحت ضربات الطيران.

و في الوثائق السرية للحركة الإسلامية يظهر تناقض مذهل؛ فهي لم تعمل على توحيد المجتمع تحت راية الدين كما زعمت، بل استغلت الروابط الاجتماعية لتقسيم المجتمعات، ولعبت على تناقضاتها، مما سهل عليها استخدامهم في العمليات الانتخابية وضرب جماعة بأخرى. وبهذا الأسلوب، تمكنت من الانفراد بالقرار في أروقة الدولة وخبايا التنظيم وواجهاته المختلفة.

واليوم، ما يحدث ليس سوى استنساخ للماضي، حيث تعيد القيادة الحالية قراءة التاريخ من نفس الكتاب القديم. فالحركة الإسلامية، التي تحتضن الآن الحركات المسلحة وتعتمد عليها بشكل كامل في هذه المعركة، تتجاوز كل الدروس التي كان ينبغي أن تتعلمها من تجاربها السابقة.

فقد شهد التاريخ أن داؤود يحيى بولاد، ابن الحركة الإسلامية، أعتلي التنظيم وفق لفئة اجتماعية معينة في دارفور، ثم تمرد عليها، مما دفع أبناء جلدته إلى الانضمام إليه. لكن المفارقة كانت أن أول من واجهه عسكريًا لم تكن القوات المسلحة المركزية، بل إحدى الإثنيات في دارفور، مما أشعل شرارة الصراع الإثني هناك.

ثم جاء أمير المجاهدين خليل إبراهيم، الذي سار على نفس النهج، متمردًا على الحركة الإسلامية، معتمدًا على قاعدته الإثنية، التي انضمت إليه في تأسيس حركة العدل والمساواة، والتي خاضت القتال جنبًا إلى جنب مع جيش تحرير السودان مناوي. والعامل المشترك بينهما لم يكن الأيديولوجيا، بل الانتماء الإثني.

في المقابل، سعت الدولة إلى خلق قوة جديدة من قاعدة اجتماعية وإثنية مختلفة لضرب التمرد وحصره في مناطق دارفور، فما كان لها إلا أن أخرجت موسى هلال من السجن ليقود فصيلًا مسلحًا يتبع للقوات المسلحة، بهدف القضاء على التمرد. لكن النتيجة كانت أن موسى هلال نفسه تمرّد لاحقًا، ليُستبدل بمحمد حمدان دقلو، الذي صعد بسرعة مستفيدًا من تناقضات النظام ذاته مع هلال و الحركات المسلحة .

اليوم، تحاول الحركة الإسلامية ضرب محمد حمدان دقلو بالحركات المسلحة، وكأنها لم تتعلم من أخطائها السابقة. والأسوأ أنها تفعل ذلك ضمن خطاب رسمي قاصر، يصور الدعم السريع وكأنه مجرد قوة مسلحة تتبع لأسرة (آل دقلو) ، بينما الحقيقة أن آل دقلو ليسوا سوى واجهة لمشروع ترابط مجموعات اثنية معينة.

فالدعم السريع، منذ تأسيسه، لم يكن كيانًا منفصلًا عن الدولة، بل أداة في يدها، استُخدمت عبر سياسة التجنيد القبلي، حيث تم تخصيص حصص سنوية لمجموعات إثنية معينة، ثم أُطلق عليهم لاحقًا بعد الحرب مصطلح “عرب شتات”. و السؤال إذا قرر محمد حمدان رفع يده عن هذه القوات اليوم فلن يكون مصير تلك المجموعات سوى التعرض لبطش الدولة، التي وجهت لها رسالة واضحة عبر تصريحات مساعد قائد الجيش.

وفي ظل هذا المشهد، يظهر علي كرتي، قائد الحركة الإسلامية اليوم، وكأنه لم يتعلم شيئًا من دروس الماضي. فهو يحاول إعادة إنتاج نفس النموذج من خلال ما يسمي بدرع السودان، بقيادة كيكل، وهو فصيل عسكري يقوم على أسس إثنية واضحة. هذه المحاولة، رغم خطورتها، ليست سوى استكمال لنهج الحركة في استخدام الإثنيات لتحقيق مكاسب سياسية قصيرة الأمد، دون النظر إلى العواقب بعيدة المدى.

معالدلة لنمازج تمت صناعتها من فصائل مسلحة في شرق السودان، بقيادة موسى محمد أحمد، والأمين داوود، وشيبة ضرار، بالإضافة إلى الأسود الحرة بقيادة مبروك مبارك سليم. جميع هذه الفصائل بالإضافة إلى الفصائل العسكرية في جبال النوبة، مثل فصيل عبد العزيز الحلو ويوسف تكة، وكذلك الفصائل المسلحة في النيل الأزرق بقيادة مالك عقار. والمفارقة أنه لم يكن هناك أي فصيل مسلح في شمال السودان.

و ما يحدث طوال تاريخ السودان هو لعنة دوامة زمنية أصبح لزامًا علينا تكرارها كل جيلين أو ثلاثة.

و إذا استمرت قيادة الحركة الإسلامية الحالية في سياساتها القائمة على التمييز والاستغلال الإثني وتكرار نفس الأخطاء، فإن النتيجة الحتمية ستكون انفجارًا جديدًا، لن يكون ضحيته سوى الأبرياء، الذين لا علاقة لهم بحسابات قيادات الحركة.

التي حظيت بأطول فترة حكم في تاريخ السودان، ورغم ذلك، وبمقياس النجاح والفشل، كانت الأكثر فشلًا في حكم البلاد، بناءً على حصيلة تجربتها مقارنة بمدة حكمها.

لم يقتصر فشل الحركة على معالجة مشكلات السودان، بل امتد إلى كونها أصبحت في ذاتها مشكلة السودان. ومن أهم الدلائل على ذلك، حتى على الصعيد الداخلي، فشل الحركة الإسلامية في أهم مقومات مشروعها، وأحد أهم أسس الديمقراطية، وهو التداول السلمي للسلطة. فعلى المستوى المركزي، ظل البشير هو الوحيد على رأس السلطة لما يقارب 30 عامًا، دون أي تغيير حقيقي.

فالتاريخ لا يعيد نفسه عبثًا، بل لأن من يكتبونه يصرّون على السير في نفس الطرق، متجاهلين العواقب. واليوم، يبدو أن الحركة الإسلامية، بقيادة علي كرتي ومن معه، قد قادة السودان نحو هاوية جديده، و ستكون ضريبتها مزيد من دماء الأبرياء، الذين لم يختاروا أن يكونوا جزءًا من لعبة إعادة التكرار القاتل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى