
في منتصف شهر إكتوبر من العام 2023م قضت محكمة عسكرية بكادقلي بالإعدام رمياً بالرصاص علي الجندي حكيم تيه بعد إتهامه بالتخابر مع الحركة الشعبية بحسب حيثيات الإتهام الذي تلاه المستشار العسكري في تلك المحاكمة.
وتتلخص وقائع البلاغ في إن المتهم ” حكيم” قد اجري إتصالاً بأسرته مما اعتبرته دوائر الإستخبارات العسكرية جريمة وتخابراً تقتضي عقوبتها الإعدام وان كان الطرف الآخر هو الاخ الشقيق او الوالد او حتى الوالدة ، طالما هم مواطنون بالطرف الآخر وبحسب التصنيف العسكري فهم بالتالي اعداء تنتزع منهم حقوق المواطنة ومايترتب عليها من إستحقاقات قانونية ودستورية.
وفي شهر يناير الماضي من العام 2024م إعدم بمدينة الدلنج رقيب أول يدعي سليمان محمد أزرق الجقير بعد إن اتهمه زملاؤه بالانحياز الاثني والتباطؤ في إيصال الوقود وتداول ناشطون صوراً ومقطع مصور لقتله وتعليقه بوضعية الصلب وسط هرج ومرج في حين التزم الجيش الصمت ولم يشرع في تحقيق حول الحادثة بتأكيد الإدانة حتي يرفع عن نفسه حرج السؤال حول صحيفة الإتهام.
ومابين القضيتين تبرز اهمية النقاش حول مهنية الجيش القومي غير المنحاز لجهة او قبيلة او ايدلوجيا سياسية تحد من مهامه الوطنية وتجعله ” اسيرا” خاضعاً لاهدافها بإختطاف سلطاته ومهامه وتوظيفها لصالح الجهة او القبيلة او الأيدلوجيا السياسية.
ونتيجةً لخضوع المؤسسة العسكرية للأيدلوجية السياسية علي مر التاريخ تنامت المطالب السياسية بأهمية بناء وتأسيس جيش قومي مهني وبعقيدة جديدة يبتعد عن السياسة ويخضع للسلطة المدنية الديمقراطية مع الإلتزام بالحياد السياسي والثقافة المؤسسية الإخلاقية ، بحيث يتم تكريس هذه المبادئ بالدستور.
وعلى الرغم من سجل الجيش السوداني المخيب في عرقلة الإنتقال الديمقراطي وتداخلاته في الحروب الاهلية في السوداني كـ”فاعل” اساسي فيها بتكوين المليشيات القبلية وتأسيس الجيوش الموالية للقتال بجانبه في حروباته ضد شعبه الإ ان التصدي لأهمية بناء وتاسيس جيش قومي تمثل قيمًا أساسية مثل قبول شرعية المؤسسات الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان المتعلقة بالأفراد والدفاع عنها.
إن فكرة الاحتراف العسكري في الدول الديمقراطية تمثل ثقافة سياسية ديمقراطية قوية، تتحمل السلطات المدنية المنتخبة شرعيًّا المسؤولية الكاملة عن إدارة الشؤون العامة والسياسية، فيما تنفذ القوات المسلحة سياسة الدفاع والأمن التي تكون السلطات المدنية قد طورتها.
وقد تبنت أغلبية الدول الأفريقية هذه القيم الديمقراطية والمبادئ الأساسية للاحتراف العسكري في دساتيرها وعقائدها العسكرية المختلفة. كما يتم تقاسمها وقبولها من قبل أغلبية البلدان الأفريقية التي انتقلت، أو التي هي في طور الانتقال، إلى الديمقراطية. علاوة على ذلك، تعرّف العديد من القادة العسكريين على هذه القيم والمبادئ من خلال التدريبات في الأكاديميات العسكرية الغربية وكليات الأركان.
ومن المهم، أيضًا، ملاحظة أن هذه القيم مهمة في عملية بناء الجيش المهني على إقامة ولاء واضح ومتوازن للدولة واحترام المجتمع المدني وعدم التدخل في كثير من الأحيان في جدل سياسي قوي بين الاثنين لان التحول إلى الديمقراطية عملية مضطربة، يمكن استغلالها من قبل بعض الجهات الفاعلة لإشاعة فوضى محلية مؤقتة. ومن دون دعم الجيش الثابت للحياد والسلطة الديمقراطية السيادية، ستكون عملية التصحيح الذاتي للديمقراطية وتوطيدها أمرًا صعبًا
ولتحقيق ذلك ينبغي القيام والإلتزام الصارم من جميع القوي المؤمنة بأهمية التحول المدني بهذه النقاط
* تجريم ممارسة العمل الحزبي لمنتسبي القوات المسلحة وتجريم أي نشاط لصالح أي حزب سياسي، أو تنظيم أو جماعة سياسية في أوساط القوات المسلحة والأمن والمخابرات.
* يحظر تسخير القوات المسلحة والمخابرات لصالح حزب، أو جماعة أو فرد صيانةً لها من التبعية، بكل صورها وأشكالها، والانتماءات الحزبية،بكل انواعها،وذلك ضماناَ لحياديتها، واستقلالها، ويحدد القانون اقصى العقوبات لذلك.
تأسيس عقيدة عسكرية جديدة للجيش مستمدة من مبادئ الدستور ليكون جيشاَ وطنياَ ومهنياَ.
التزام قوات الأمن بالقانون واحترام حقوق الإنسان والخضوع للمساءلة بموجب ميثاق الشرف العسكري والرقابة المدنية.


