حين تتحول السياسة إلى سوقٍ للنخاسة: شقُّ الصف وشراءُ الذمم كسلاحٍ أخير للأنظمة المأزومة
عمار سعيد

في كل المراحل التي تقترب فيها الأنظمة المأزومة من حافة الانهيار، تلجأ إلى السلاح ذاته: تفكيك خصومها من الداخل بعدما تعجز عن هزيمتهم في الميدان.
وحين تفشل البنادق في تحقيق ما تريده السلطة، تُفتح خزائن المال السياسي، وتبدأ عمليات شراء الولاءات، واستقطاب المنشقين، وصناعة الانقسامات، وبث الشكوك داخل الصفوف المعارضة.
هذه ليست ظاهرة جديدة في السودان، بل هي واحدة من أكثر الأدوات التي استخدمها النظام البائد وتنظيم الحركة الإسلامية منذ عقود طويلة؛ سياسة تقوم على إضعاف الجميع حتى تبقى السلطة وحدها قادرة على التحكم في الخراب.
لكن المفارقة المؤلمة أن هذه الاستراتيجية نفسها هي التي قادت السودان في نهاية المطاف إلى واحدة من أكبر الكوارث الوطنية في تاريخه الحديث: انفصال جنوب السودان.
فقد ظنّت السلطة آنذاك أن شراء بعض القيادات، وإغراء البعض بالمناصب والأموال، وإحداث الانقسامات داخل الحركة الشعبية، سيؤدي إلى تفكيك المشروع الجنوبي وإضعافه.
لكن الذي حدث كان العكس تماماً؛ لم تضعف الحركة الشعبية، ولم يتراجع مشروعها النضالي ، بل ذهب الذين تمت محاولات استقطابهم مع دولتهم الجديدة، بينما بقي السودان هو الخاسر الأكبر أرضاً وشعباً واقتصاداً وتاريخاً.
ولذلك فإن عودة تنظيم الإخوان المسلمين اليوم إلى ذات الأسلوب تكشف بوضوح حجم الفشل الميداني الذي يواجهه في هذه الحرب.
فالأنظمة الواثقة من قوتها لا تبحث عن المنشقين، ولا تُغرق الساحة السياسية بالمال السياسي، ولا تُحوّل المعارك إلى مزادات ولاء، وإنما تفعل ذلك فقط حين تشعر أن الأرض تهتز تحت أقدامها.
وما يحدث الآن ليس سوى محاولة يائسة لتعويض الخسائر العسكرية الكبيرة التي تتعرض لها التشكيلات المتحالفة مع الجيش، من الحركات المسلحة، إلى قوات درع السودان، إلى البراء بن مالك، وغيرها من المليشيات التي دخلت الحرب تحت شعارات كثيرة، لكنها وجدت نفسها في نهاية المطاف وقوداً لمعركة طويلة تستنزف الجميع.
وحين فشل الحسم العسكري، بدأ الانتقال إلى مرحلة حرب الاختراقات والانشقاقات وضرب المكونات المحلية ببعضها البعض.
إن أخطر ما في هذه السياسة ليس فقط شراء الذمم، وإنما تحويل الوطن نفسه إلى ساحة للمضاربات السياسية والقبلية، بحيث تصبح المجتمعات المحلية مجرد أدوات قابلة للتوظيف، ويتم العبث بمصائر الناس وفقاً لحسابات السلطة والبقاء.
وقديماً قال عبد الرحمن الكواكبي في وصف الاستبداد:
“المستبد لا يرى في الناس إلا أدوات لخدمته، فإن وعوا حقوقهم عدّهم أعداءه.”
وهذا بالضبط ما يحدث اليوم؛ إذ لا يبدو أن هناك أي اكتراث حقيقي بحجم الدماء التي تُراق، أو المدن التي تُدمّر، أو الملايين الذين نزحوا وجاعوا وفقدوا أبسط مقومات الحياة، بقدر ما توجد رغبة محمومة في إعادة إنتاج السلطة ولو فوق ركام البلاد.
إن الحديث عن تخصيص عشرات الملايين من الدولارات لاستقطاب منشقين في بلد يعيش واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، يكشف خللاً أخلاقياً وسياسياً عميقاً.
فالأموال التي تُدفع لشراء الولاءات كان يمكن أن تُخصص للمستشفيات المنهارة، ولمعسكرات النزوح، وللأطفال الذين يموتون جوعاً، وللخدمات التي اختفت من أغلب المدن السودانية.
لكن الذين يديرون هذه المعركة لا ينظرون إلى السودان كوطن يحتاج إلى التعافي، بل كساحة صراع يجب أن تبقى مشتعلة حتى يظلوا هم في مركز المشهد.
ولذلك فإن أي دولة أو جهة تموّل مثل هذه السياسات، ثم تدّعي في الوقت ذاته أنها تسعى لإيقاف الحرب وإحلال السلام، إنما تمارس تناقضاً فاضحاً؛ لأن من يضخ الأموال لتأجيج الانقسامات لا يمكن أن يكون وسيط سلام، بل شريكاً في إطالة أمد المأساة.
فالأنظمة التي تعتقد أن الولاءات تُشترى بالمال لا تُنتج رجال دولة، وإنما تُنتج شبكات انتهازية تتبدل مواقفها مع اتجاه الريح، وتبيع الجميع حين تتغير موازين القوة.
وفي التاريخ كانت ظاهرة شراء الذمم وشق الصفوف من أكثر الأساليب التي استخدمتها القوى المتصارعة لإسقاط خصومها من الداخل.
لكنها كانت دائماً سلاحاً قصير العمر، لأن المجتمعات التي تُبنى على الخيانة لا يمكن أن تنتج استقراراً دائماً.
ولعل أبلغ ما قيل في هذا الباب قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
“ما ترك لي الحق من صديق.”
فالذين يبيعون مواقفهم اليوم مقابل المال أو المناصب، لن يكونوا أوفياء غداً لمن اشتراهم، لأن من اعتاد المتاجرة بالمواقف لا يعرف معنى الانتماء الحقيقي.
إن السودان لا يحتاج اليوم إلى المزيد من تجار الحروب، ولا إلى مهندسي الانقسامات، ولا إلى سماسرة الولاءات، بل يحتاج إلى مشروع وطني حقيقي يوقف هذا النزيف التاريخي ويعيد بناء الدولة على أسس العدالة والمواطنة والشراكة لا على سياسة “فرّق تسد”.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي وطن، ليس أن يخسر معركة عسكرية…
بل أن تتحول السياسة فيه إلى سوقٍ للنخاسة، تُباع فيه المواقف، وتُشترى فيه الانقسامات، بينما يدفع الشعب وحده الثمن من دمه ومستقبله ووحدته.


