مقالات واراء

‎رداً علي تساؤلات دكتورة ناهد محمد الحسن حول مشروع دكتور ابكر ادم إسماعيل الفكري

مهند زامل

في البداية وقبل كل شئ لابد من الإشارة الي نقطتين أساسيتين:
‎الاولي: ان ردي هذا لا يأتي في سياق الدفاع او الرد بالوكالة عن المفكر ابكر ادم إسماعيل فهو الاجدر بالاجابة علي التساؤلات المطروحة، لا سيما ان تلك الأسئلة لا تعتبر أسئلة شخصية، لطالما كانت حول مشروعه الفكري الذى يعتبر احد المدارس الفكرية الوطنية التي اجرت المقاربات النظرية في منهج التحليل التاريخي المقارن بدراسات ما بعد الاستعمار في السودان. يأتي ردي هنا باعتباري احد الذين افنوا سنين عُجاف من عمرهم في الدعوة و الدفاع عن هذا المشروع، و كذلك في سياق توضيح وجهة نظرنا التحررية في بعض القضايا محل الالتباس.
‎اما النقطة الثانية: فتتعلق بالدكتورة ناهد محمد الحسن تلك المحاربة الشجاعة صاحب القلم و الراي، و لمكانة وجهة نظرها، أتانا الدافع للرد حول تساؤلاتها او قل تخوفاتها. مرحب بعودتك لاثراء الفضاء الافتراضي بعد غيبة.
‎اثارت د. ناهد في مقالها المعنون الي د. ابكر مجموعة من الأسئلة و الالتباسات، و قد يكون جزء كبير منها أُثير في اكثر من منبر، ولكن بوجهة نظر مختلفة.
‎من خلال هذه المساحة سنحاول تبيان بعض النقاط الجوهرية التي نوقشت، وفي سياق التسلسل الاستبياني الذي ورد في مقالها، سيكون ردي عبارة عن محاورة لتلك الأسئلة التي طُرحت.
‎ماذا يفعل السلاح حين يدخل الي مشروع العدالة؟
‎نبدا بهذا السؤال الذي وصفته د. ناهد بالأصعب، بل السؤال الاصح يفترض ان يكون كيف لمشروع العدالة ان يتحقق في ظل توظيف الدولة لادوات العنف منذ ميلادها ضد غالبية سكانها؟
‎سنعود للإجابة لاحقاً علي السؤال، الا ان هناك حقيقة مدسوسة وردت في خضم السؤال ! وهي ان (اكثر الجرائم التي أُرتكبت تاريخياً في مناطق الهامش لم ترتكب من قبل ايادي “المركز” بوصفه فكرة مجردة)، انتهي الاقتباس.
‎و هذه الحقيقة تقود الي ان الحكومات المركزية التي تعاقبت علي إدارة السودان ارتكبت اكبر الجرائم في حق تلك القوات التي تعود أصولها لما يعرف تأدباً بجغرافيا الهامش، و قد تمثلت هذه الجرائم في الاتي:
‎• اذا افترضاً جدلاً ان ما يعرف بالهامش (الثقافي، العرقي، الجغرافي و الديني) قد بدأت صياغته منذ ظهور الدولة السودانية الحديثة 1821م حتي تمت هندسته و حوكمته في عهد ونجت و سلاطين باشا، اللذين كانت لديهم تصوراتهم السياسية و الأمنية، التي هي بالضرورة ان تتقاطع مع طموحات و رغبات السودانيين، و كانت اولي أهدافها الاستراتيجية تصفية اثار المهدية، و قد ساعدت في هذه المهمة الكثير من التشكيلات القبلية شبه العسكرية التي تعود اصولها لشمال السودان، مما مكنها من لعب دور “الكمبرادور” لاحقاً، كوسيط رسمي بين الاستعمار و السكان المحليين، و هذه اولي بذور المركزية في السودان، و هذا الافتراض له ما يسنده علمياً.
‎ان الجريمة الكبرى التي ارتكبتها من اطلقت علي نفسها اسم الحكومات الوطنية بعد خروج المستعمر، انها لم تقم بأي جهد لتصفية الاستعمار بل اكتفت فقط بسودنة الوظائف و أبقت علي الوضع القديم و استمرأته، مما عمق التفاوت الاجتماعي الذي بدوره افرز الاستعلاء الطبقي المستمر حتي الان.
‎• الجريمة الأخطر ان تم استخدام أبناء الهامش لابادة شعوبهم، مما ولد فيهم شعوراً نفسياً حاد يمكن تسميته “كره الذات” ذلك هو الذي يدفعهم لقتل بني جلدتهم و التمثيل بجثثهم و القيام بالافعال التي يتعفف (السيد) من القيام بها من منظور العبودية، و هذا ما شاهدناه عندما دخل الجيش و مليشياته ولاية الجزيرة، أو في اي منطقة دخلها الجيش تاريخياً، و هذا يرسخ المفهوم العبودي و سريانه داخل سودان ونجت باشا.

و هنا يأتي السؤال الأكثر جدية، لماذا ظل مركز السلطة القابضة للسودان الحديث يسخدم انسان الهامش في الجندية ليخلف بذلك فوارق طبقية و هيكلية تغمصت البني الاجتماعية للدولة؟ اذا كانت هذه الدولة وطنية لكن اخذت الجندية و التعليم و الكلية الحربية و تقسيم الموارد، حسب تعداد السكان!!
التخوف من مركز جديد؟
ان السودانين الذين اجمتعوا في تحالف السودان التأسيسي، قد عركتهم التجارب و أثقلتهم المحن، و جعلتهم يعلمون جيداً خطورة تشّكُل مركز جديد، وبالنسبة لهم ان ذلك عهد قد مضي الي مذبلة التاريخ .
و لكن يُعبر أحيانا هذا التخوف عن بني وعي مركزي فوقي تعمد العيش علي نمط اقتصاد الريع العشائري الذي لا يسهم في عملية الإنتاج و لو ب (عجورة)، و قد سوّق أصحاب المصالح الأيديولوجية لهذا التخوف، حتي صار “ظن” كما اسماها الراحل منصور خالد ب”التظنئ”. سيقود هذا التخوف الي تفسير بسيط الا وهو الخوف من فقد الامتيازات التاريخية التي تراكمت بفعل انتهازي. (وانتي يا دكتورة حاشاك)
تحالف المثقف مع القوي المسلحة؟
قبل الإجابة علي هذا السؤال لابد من تعريف بسيط لدور المثقف التحرري و من ثم تعريف القوي المسلحة.
ان دور المثقف التحرري من وجهة نظري هو ان يوجه وعي الجماهير في إلمامهم بقضاياهم الثورية و كيفية حميتها.
اما تعريف القوي المسلحة في السودان فهذا متشعب قد يقودنا الي الجذور التاريخية للمشكلة في السودان ! لان المنظومة التي احتكرت العنف في الدولة الوطنية و منذ ميلادها في 56 سخرت هذا العنف في قمع و قهر و نهب الشعوب السودانية، مما انتج اول حركة كفاح وطني (حركة الانانيا1) 1955 و قد كان بمثابة أستشعار مبكر للشعوب السودانية يحثها علي مقاومة الدولة فوق الوطنية التي ولّدت حدثياً.
الإجابة هنا اذا كان للمثقف مشروع للتحرر الوطني سيسعي بكل جهده لإيصاله للجماهير، كما ان دور المثقف في صيرورة التحرر الوطني، سلماً كان ام حرباً ليس بجديد في افريقيا فقد كانوا في طليعة الكفاح الوطني أمثال المهندس اميركال كابرال و فرانز فانون و باتريس لوممبا وغيرهم، كانوا داعمين اصلاً لفكرة الكفاح المسلح.
هذا علي المستوي الإقليمي اما علي المستوي المحلي فقد كان دور المثقفين الوطنيين بارزاً جداً في دفع عملية الكفاح المسلح، ابتداً من جوزيف لاقو و اغري جادين وصولاً الي دكتور جون و منصور خالد و عبد العزيز ادم الحلو و غيرهم من القادة التحررين المثقفين الملمين إلمام تام بقضايا اوطانهم. و هنا لابد من الإشارة الي ان وعي قادة الجماهير وإلمامهم بقضاياهم لا يرتبط بمسألة التعليم البنكي، انما يرتبط بمعرفة واقعه و وعيه الثوري بقاضاياه، و التي من ضمنها عدم المساواة التعليمية الذي هو احد ضحاياها.
و الغريب في الامر ان دعاة احتكار القوي المدنية جميعهم بتنظيماتهم السياسية كانوا جزاءً من عملية الكفاح المسلح ابتداً من التجمع الوطني الديمقراطي و الفجر الجديد و نداء السودان و غيرها!!
في تساؤل اخر حول انتاج مركزاً مسلحاً جديداً؟
ان واقع الحرب السودان ليس وليد اللحظة، انما حرب 15 ابريل هي تجلي طبيعي لأزمة الدولة السودانية المستفحلة وهذه ليست كانت نبوءات و انما واقع تاريخي مأزوم طبيعي يقود الي اندلاع حرب و لكن هذه المرة في قلب الحدث (الخرطوم). تلك المدينة التي أُسست علي انها مركز فوق وطني لادارة السودانيين، و التي لم يكن لها سيرورة المدن التاريخية في التكّون، و انما مدينة أُنشئت بواسطة القوات الاستعمارية لتكون مركزاً للقهر و العبودية.
ان البندقية الوطنية التي كان يجب بها ان تكون البندقية الشرعية تم اختطافها منذ خروج المستعمر و من ثم تمت اعادة توجيهاها نحو صدور السودانيين، و في سعيها لايجاد شرعية لهذه البندقية تمظهرت المنظومة الامنية للدولة منذ نشأتها باشكال مخلتفة حتي تسربل الاخوان المسلمين داخلها مستغلين ذلك الخلل التاريخي في بنيتها .
نأتي هنا الي السؤال المتوقع: سؤال الاصطفاف
وقع كثير من السودانيين في فخ ان هناك مخيأل اجتماعي موحد يمكنه ان يشكل ما أسموه بالعقل السوداني، يشكل هذا الافتراض الصفوي خطاب يحاول باستمرار التغول و إلغاء التنوع، حتي اصبح يري نفسه المتخيلة انه المعبر الوحيد عن السودانية، بعدما تمت الاسطرة له عبر نظرية بوتقة الانصهار.
اذا كان هناك اصطفاف حقيقي فيجب ان يكون اصطفاف حول مشروع التحرر الوطني الذي يقود الي العدالة و الحرية والمساواة للجميع.
ان الذي يحدث الان لا يمكن ان نختزله في مفردة اصطفاف، و انما هو حدث اضخم، لاكبر تجمع للكتلة التاريخية كان له ان يحدث منذ عقود لتخفيف معاناة السودانيين و رفع المظالم التاريخية عنهم.
ختاماً :
هذه الحروب كانت فصلاً من فصول حياة الغالبية من السودانيين، و في جميع المرات مشعلها واحد و معروف جهاز الدولة المركزية المختل.
الواجب الوطني يحتم التصدي لبندقية الحركة الإسلامية الان و تجريدها من السلاح، لينعم السودان بالامن و الاستقرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى