مقالات واراء

وكلاء المستعمر: من الاستقلال الوهمي إلى التقسيم الحتمي

عمار نجم الدين

في عام 2015، بعد أن تحوَّل هديرُ الطائراتِ إلى صمتٍ قاتلٍ فوقَ قريةِ هيبانَ بجبالِ النوبةِ بعد قصفها بأيام ، جلسَ كوكو إبراهيم تيةُ الجَدُّ وحفيدهُ بينَ أطلالِ الدمارِ. بدأَ الجدُّ يروي قصةَ وطنٍ وُلِدَ مستعمَراً وماتَ على يدِ أبنائهِ. قالَ بصوتٍ مثقلٍ بالحزنِ: “يا بُنيَّ، أسوأُ ما يُصيبُ شعباً أنْ يَستبدلَهُ الغريبُ بغريبٍ آخرَ، بلونِ جلدِهِ، لكنْ بقلبِ الغُزاةِ.” رفعَ الطفلُ رأسَهُ وسألَ: “هل الوطنُ حقاً يُقتل مرتين؟” فأجابهُ الجَدُّ وهوَ يُحدِّقُ في الأفقِ البعيدِ: “بل يُقتَلُ كلما خانَتْهُ ذاكرتُهُ.”

في صباح يوم 15 أبريل 2023، انهارت الدولة السودانية تماماً، في مشهدٍ كان بمثابة تتويج لمسارٍ طويل من التفكك والانهيار التدريجي. ما نراه اليوم ليس سوى آخر فصول دولة السودان التي وُلدت في عام 1821 على يد المستعمر التركي، وتوسعت لاحقاً تحت الإدارة الاستعمارية البريطانية. منذ تلك اللحظة، كان السودان مشروعاً صاغه المستعمر الأبيض وفقاً لاحتياجاته الاقتصادية والسياسية، ثم نقله بسلاسة إلى نخبة محلية تحمل روحه وتعيد إنتاج آلياته، لكن بوجوه سودانية هذه المرة.

السودان الذي أعلن استقلاله في عام 1956 لم يكن سوى استمرارية للدولة الكولونيالية، فقد تسلّمت النخبة المركزية السلطة بنفس الأدوات التي ابتكرها المستعمر. لقد كان استقلالاً شكلياً أطلق عليه الأزهري “استقلالاً كصحن البايركس”، خالياً من الشقوق أو التصدعات لأن نضال التحرر الحقيقي لم يحدث قط، بل كانت العلاقة بين المستعمر والنخبة أشبه بالتحالف، لا المقاومة.

هذا “المستعمر الداخلي”، كما يمكن وصف النخبة المركزية، لم يسعَ إلى بناء دولة وطنية قائمة على العدالة والتعددية. بدلاً من ذلك، أعادت إنتاج بنية الدولة الاستعمارية بكل قسوتها ومظالمها، فاستمرت في تهميش الأطراف جغرافياً وثقافياً واقتصادياً، وأبقت على سياسات “المناطق المقفولة” التي فرضها المستعمر البريطاني. لقد تحولت هذه النخبة إلى وكيل للاستعمار، مدافعة عن مصالحها الخاصة على حساب الأغلبية المهمشة.

فشل مشروع الدولة السودانية يظهر بوضوح في نموذج انفصال جنوب السودان. فبينما يتم تصوير الانفصال على أنه قرار اتخذته القيادة الجنوبية، فإن الحقيقة البنيوية تكشف أن المركز هو الذي دفع الجنوب إلى هذا الخيار. فمنذ الاستقلال، تعاملت النخبة المركزية مع الجنوب كمنطقة هامشية بلا قيمة، فاستخدمت الثقافة و الاقتصاد الدين كأداة للسيطرة والقمع ، وأبقت الجنوب في حالة من التهميش الاقتصادي والحرمان من الخدمات الأساسية. لم يكن اتفاق نيفاشا للسلام إلا تكتيكاً من المركز للحفاظ على مصالحه، وكان الانفصال نتيجة طبيعية لتلك السياسات وليس انتصاراً لإرادة الجنوبيين وحدهم.

اليوم، وبعد انهيار الخرطوم، نجد أن النخبة المركزية تعيد إنتاج نفس النموذج الكولونيالي من خلال انتقالها إلى بورتسودان. ما تفعله النخبة الآن ليس سوى استمرار لسياسات الإقصاء، مع تركيز الثروة والسلطة في منطقة جغرافية محددة وحرمان الأغلبية الأخرى منها. إصدار عملة جديدة تُستخدم فقط في مناطق سيطرة الحكومة، وحصر الامتحانات الدراسية في 40 % من طلاب السودان، وحرمان الأغلبية من الجواز السوداني، ليست سوى أمثلة على هذا النهج.

إن بورتسودان اليوم ليست مجرد عاصمة مؤقتة، بل هي رمز لدولة عنصرية تقسم السودان على أسس جغرافية وعرقية وثقافية. هي امتداد لنفس الدولة المركزية التي تأسست في الخرطوم، لكنها في طورها الأخير، حيث تتحول إلى دولة “أبرتهايد” واضحة المعالم، تجمع بين إرث الاستعمار وأبشع أشكال القمع الداخلي.

ما نشهده اليوم هو أن النخبة المركزية، المدنية والعسكرية على حد سواء، قد قررت تقسيم السودان فعلياً، ليس فقط جغرافياً، بل أيضاً اقتصادياً وثقافياً. السياسات الحالية تهدف إلى استبعاد الأطراف بالكامل من مفهوم المواطنة السودانية، وتحويل هذه المناطق إلى “خارج الدولة”. استهداف المدنيين بالطيران في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق يعكس أن النخبة ترى هذه المناطق كمجرد أعداء يجب سحقهم، وليس كجزء من الوطن.

إن السودان اليوم هو نتيجة حتمية لدولة ما بعد الكولونيالية التي لم تتحرر من إرث المستعمر، بل أعادت إنتاجه بوجوه محلية. النخبة المركزية، منذ الاستقلال وحتى اليوم، لم تسعَ لبناء عقد اجتماعي جديد يضمن التعددية والعدالة، بل استمرت في تكرار نفس الأخطاء التي زرعها المستعمر في بنيان الدولة.

ما الحل إذن؟ إعادة بناء الدولة المركزية الحالية هو الخطوة الأولى نحو بناء دولة جديدة على أسس العدالة والمساواة لان السودان يحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يعترف بالتنوع الثقافي والعرقي، ويضع حداً نهائياً لسياسات المركزية والإقصاء. هذا يتطلب إعادة النظر في هيكل الدولة بالكامل، مع ضمان مشاركة عادلة لجميع الأقاليم في السلطة والثروة.

السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل يمكن للسودانيين أن يتجاوزوا إرث المستعمر الداخلي والخارجي لبناء دولة تعكس تطلعاتهم الحقيقية؟ أم أن السودان، كما نعرفه، محكوم عليه بالتلاشي الكامل؟ الإجابة تكمن في قدرة السودانيين على مواجهة هذا الإرث البائس، وإعادة صياغة دولتهم من جديد، بعيداً عن روح المستعمر التي ما زالت تسكنها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى