حين يُحتضن الإنحطاط : قراءة في دلالات زيارة تكشف المشروع الحقيقي للسلطة المختطفة
إسماعيل هجانة

في بلدٍ تُسكَب فيه دماء الأبرياء على قارعة الطريق بلا سبب، ويُحرم فيه الملايين من الخبز، والدواء، والماء، وتحصد الأرواح كسوالف القمح او الفول بلا وجيع، حيث تجز الروؤس وتلغو البطون في مشاهد احتفالية احتفائية سريالية. خرج علينا المدعو البرهان الملغي يا ابو سفنجة الهربان الذي يدعي انه رئيس مجلس السيادة المختطف بما لا يُصدّق — زيارة “رسمية” لشخص اشتهر بالبذاءة، والفحش، والألفاظ النابئةالرخيصة، والتطاول على القيم العامة بمحتوى منحطّ لا تسمعه إلا الآذان التي استراحت في وحل الفوضى والفاحشة والخبث والخبائث.
إنها ليست زيارة عابرة يحاول البعض التخفيف من الأمر بتذاكي غبي لصرف الأنظار عن جوهر السلوك والتصرف، باعتبارها لقطة عفوية. لكن الواقع يوكد إنها رسالة صريحة بليغة الفجور في مدلولها السياسي والأخلاقي. زيارة تهين ما تبقى من قداسة المنصب ان كانت له قداسة، وتكشف عن هوية المشروع الذي يحكم، لا كدولة، بل كفرقة شو تقوم على الحش والفجور الم يكن البرهان نفسه الذي قال في خطاب عام اسواء مما قاله هذا العجوز الصعلوك المفلس دنيا وخلقا.
في هذا المقال، سنضع هذه الزيارة تحت المجهر، ونفكك دلالاتها الخطيرة على خمسة مستويات:
1. انهيار الرمزية والقدوة السياسية
في كل دولة تحترم نفسها، يشكّل قادتها رمزًا أخلاقيًا قبل أن يكون منصبًا سياسيًا أو اجتماعيًا أو ثقافيا او دنيا …الخ. لكن حين يجلس من يُفترض أنه يمثل هذه القيم النبيلة التي تعبر عن سماحة وطيبة ونبل أهل السودان، إلى جانب شخصٍ اشتهر بسب الأعراض، وتسويق “الزناوة” والكلام السوقي، فقد سقطت كل رمزية، وانهار ميزان القدوة.
ما حدث لا يُفهم إلا باعتباره سقوطًا حرًا لأخلاق الدولة المنحازة العميقة التي تتاجر بكل شيء من اجل البقاء وليس لها اي سقف اخلاقي او قيمي تتكئ عليه.
2. شرعنة التفاهة كأداة حكم
الزيارة ليست عفوية ولا حتى ترفًا شخصيًا، انما اختيار سياسي متعمد وبدقة عالية تم تحديده. السلطة المختطفة في بورتسودان الحالية تدرك تمامًا أنها فقدت أدوات الإقناع العاقلة، ولم تعد تملك مشروعًا وطنيًا يمكن تقديمه. لذا تلجأ إلى تسويق التفاهة، وتبييض وجوه الابتذال، واستخدام فاخش القول و “اللايفات” والفوضى كوسائل لتثبيت الهيمنة وتغبيش الوعي ببناء واقع منحط زائف. بذلك توكّد إنها سلطة تسوّق للانحطاط، وتستثمر في الجهل، وتحتمي بالتسطيح.
3. رسالة سياسية للداخل: الدولة فوق الأخلاق
الرسالة التي وصلت من هذه الزيارة واضحة تمامًا:
“نحن فوق الذوق، وفوق المعايير، ونستطيع أن نحول أي تافه إلى شريك في الدولة”.
وهذه الرسالة لا تستهدف فقط المعارضين، بل تُستعرض في وجه الشعب كله، كنوع من الاحتقار العلني للوعي الجمعي. هي رسالة تقول:
لا مكان للقيم الفاضلة والنبيلة ولا للإرث السوداني العتيق المعتق بالتاريخ الراسخ في حسن الأخلاق وعفة اللسان … رسالة واضحة معناها ان السلطة معهم، والتفاهة وسيلتهم.
4. إفلاس المشروع الحاكم
حين لا يجد البرهان من يزوره إلا من يُعرف بالشتائم والبذاءة، فذلك ليس فقط سقوطًا سياسيًا، بل شهادة وفاة للمشروع بأكمله.
هي لحظة إفلاس كامل، من لم يبق له إلا من هم في هامش الانحطاط، يتوسلهم ليكسب لحظة “شعبية إلكترونية”. إنها تعبير عن عزلته الحقيقية عن المجتمع المحلي والدولي، واستبدال القيم السياسية بالتهريج الأخلاقي، والبحور وهي ثقافته الانداية ودلالاتها التاريخية التي تربى عليها.
5. إهانة متعمدة لقيم المجتمع السوداني
السودانيون، رغم كل شيء، شعب محافظ بطبعه، يحترم الكلمة، ويقدّس الذوق العام.
وما حدث هو اعتداء مباشر على قيمهم، وثقافتهم، وسلوكهم اليومي، كأن لسان حال السلطة يقول:
“لن نحكمكم فقط بالقهر، بل بالتفاهة… ولن نخيفكم فقط بالسلاح، بل بالإهانة المتكررة لذوقكم العام.”
ما جرى لم يكن خطأ بروتوكوليًا، ولا نكتة في برنامج ساخر…
بل رسالة صريحة: أن المشروع القائم لا يؤمن لا بالاحترام، ولا بالمؤسسات، ولا بالقيم، بل يبني أدواته على الفوضى، ويستخدم التفاهة سلاحًا سياسيًا في وجه وعيٍ بدأ يتشكل من رماد الدمار.
لكن هذا الشعب، وإن صبر، لا ينسى.
والمعادلة تقول:
من يراهن على إسكات الوعي بالزناوة، سيستيقظ ذات يوم ليجد أن الشارع قرر أن ينطق.


