مقالات واراء

ثوار من ورق: كيف تعيد الدولة العميقة إنتاج نفسها بثياب الثورة؟ الحلقة الأولى من سلسلة: تفكيك خطاب الثورة الزائفة و منظومة الهيمنة الإرثية المركزية

إسماعيل هجانة

دفعني إلى الكتابة، هو مشاهدتي لمقطع فيديو انتشر بكثافة دعائية وإعلانية، يُظهر مجموعة من المستنفرين من أبناء منطقة “بُري”، وهم ينتمون إلى مليشيات “البراء”، و”المقاومة الشعبية”، و”الأمن الشعبي”، و”جهاز الأمن”. كانوا يرتدون الزي الذي اعتادوا أن يذبحوا به النساء والأطفال بالأمس، واليوم وضعوا—بل أخفوا—البنادق خلف الأبواب.
ظهروا ليلًا، دون أن يخلعوا عنهم زيّ المليشيات، يهتفون بطريقة منظمة، وتبدو عليهم علامات “كتائب الموت”، يزعمون أنهم “ثوار وأحرار” ويعلنون العداء للحركة الإسلامية، رغم أنهم أعضاء أصيلون في فصائلها المقاتلة، وقد قاتلوا في صفوفها يومًا.

كتب تحت الفيديوهات الدعائية:
“ثوار بري الذين يقاتلون في صفوف الجيش، يرجعون إلى عادتهم القديمة ويخرجون في مواكب ليلية تندد بالحكم المدني الديمقراطي.”

لم يكن هذا المشهد مستغربًا بالنسبة لي، ولا صادمًا.
لقد اعتدنا أن تُلبس الدولة العميقة عباءة “الثوار” حين تشتد الأزمة. فهؤلاء ليسوا غرباء عن المنظومة التي حكمت السودان منذ الاستقلال. إنهم امتداد عضوي لها، ظهروا تارة في زي العسكر، وتارة في لبوس المدنيين، وتارة بثياب الثورة.

هذه ليست وجهة نظر، بل حقيقة تتكشف كل يوم.
الذين يُقدَّمون اليوم كرموز للتغيير، هم في الحقيقة جزء من منظومة عسكرية، وأمنية، واقتصادية، وثقافية متكاملة، نشأت في ظل هيمنة المركز، وتغذت على تهميش الأطراف. لم يكونوا يومًا جزءًا من مشروع تحرري وطني، بل أدوات لمشروع سيطرة ناعم، يستعمل لغة الثورة، ويعيد تقديم نفسه كحامل لتطلعات الشعب، بينما يحمل في جوهره ذات عقلية الإقصاء والتحكم.

لقد قالها لي أحدهم منذ أكثر من عشر سنوات، وكان من أبرز المنظّرين المختفين خلف واجهات “التقدمية” و”الثورية”:
“نحن سنظل نحكم السودان، سواء بالانقلابات العسكرية أو بالانتخابات الديمقراطية، طالما نحن نتحكم في كل شيء.
وما على سكان تلك الأقاليم إلا الاتباع. وأي حرب، وأي تمرد، هو فرصة لنا للتمدد والتحكم أكثر.”

هذا التصريح لا يحتاج إلى تعليق، لأنه يُعرّي بوضوح عقلية هذه النخبة التي ترى السودان غنيمة جغرافية، لا وطنًا مشتركًا.
وترى أبناء الهامش أدوات تُستخدم وتُستهلك، لا مواطنين متساوين في الكرامة والحق.

والمؤسف أن هذا الخطاب، رغم وقاحته، لا يزال يجد من يروج له، ويؤمن به، بل ويعيد إنتاجه داخل قوى سياسية ومدنية، وحتى داخل بعض مكونات ما يُفترض أنه معسكر الثورة.
ويستمر تمجيد الجيش والمؤسسات الأمنية كـ”ضامن للوحدة الوطنية”، وكأن التاريخ لم يُكتب، وكأن الدماء التي سالت في دارفور، جبال النوبة، النيل الأزرق، والخرطوم، لم تُسفك على يد هذه المؤسسات ذاتها.

ما يُقدَّم اليوم على أنه “صوت الثورة”، ما هو إلا واجهة تمويهية، ونموذج حيّ لما يُعرف في علم السياسة بـFalse Flag Operations، حيث تُخلق واجهات وهمية تخدم ذات المنظومة القديمة، تحت شعارات التغيير والإصلاح.

وفي هذا السياق، فإن الدفاع عن السودان لا يمكن أن يتم بتمجيد أدوات القمع ذاتها، بل بتفكيك هذه المنظومة من جذورها، وكشف تناقضاتها، والتمييز بين من يطالب فعلًا بالحرية والمساواة، ومن يُعيد تدوير الامتيازات باسم الثورة.

هذه السلسلة مستمرة، وهذه الحلقة الأولى… ترقبوا المزيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى