على طريقة (الهُولوكوست) ومجازر التطهير…هل يتم القضاء على (الكنابي) تحت غطاء حرب (الكرامة)..؟
إدراك _ المحرر

التمييز والتصفية العِرقية تجاه سكان الكنابي بولايةالجزيرة، يرى مراقبون أنه لم يأتِ باعتباره أحد تداعيات حرب الخامس عشر من أبريل، بل يجد جذوره التأريخية من خلال علاقات الأنتاج في مشروع الجزيرة، حيث ظلّ سكان (الكنابي) على هامش الحياة الاقتصادية، الاجتماعية والسياسية، تأريخ السودان وتقلباته السياسية لم يُنصف قضاياهم في المساواة والحياة، أجيال مضت تحلم بحياة انسانية أفضل، وثيقة (جوبا) أنصفت بعض قضاياهم بالرغم من رفض السلطة الأجتماعية المُهيمنة على مشروع الجزيرة، الآن تحول جديد في مجريات مُخطط تهجير سكان الكنابي، وتتصاعد الأحداث بمتوالية متسارعة ليتم ترحيل ما يزيد عن (3000) مواطن سوداني خارج الجزيرة، بدواعي اثنية..
مـذبحـة الجـزيرة
دخول الجيش ولاية الجزيرة بعد خروج قوات الدعم السريع في يناير الماضي، وإن اعتبره بعض الاسلاميين فتحا وانتصارا، إلا أنه كان الأسوأ في تأريخ الولاية، وتحديدا على إثنيات غرب السودان ومواطني دولة جنوب السودان، حيث سُرعان ما نُصبت المشانق، واخترق الرصاص صدور العُزل من أبناء الكنابي، حملة شعواء قادتها كتائب الاسلاميين في مواجهة (الكنابي) الاحصائية أشارت إلى أن الكنابي التي حرقها الجيش بالكامل وصلت 160 (كمبو)، أمين الشؤون الإنسانية بمؤتمر الكنابي أمير يعقوب اسماعيل، قال أن الحملة الانتقامية تسببت في نزوح الالاف من الأسر الي الفاو، القضارف، سنار، كوستى ومدن أخرى، ووفاة أكثر من (300) معتقل داخل معتقلات الجيش في ود مدني.
يعتقد مؤتمر الكنابي أن سكان الكنابي تعرضوا لإبادة جماعية من قبل قوات درع السودان بتواطؤ من قيادة الجيش
مـواقـف رافـضة
يرى مراقبون أن قيادة الجيش انحرفت عن مسارها المُعلن في حربها مع الدعم السريع، والمجازر التي نفذتها قوات (درع السودان) لها أهداف أخرى غير (الكرامة).. أو هذا ما دفع قيادة (مؤتمر الكنابي) للقول أن سكان الكنابي يتعرضون (لإبادة جماعية) بتواطؤ من قيادة الجيش، وعلى (المجتمع الدولي) حماية (المدنيين)، حيث وجه الأمين العام لمؤتمر الكنابي الدكتور جعفر محمدين عابدين، إلى تحركات لقتل وطرد سكان الكنابي من ولاية الجزيرة، مؤكدا إن الخطابات العنصرية التي صاحبت دخول الجزيرة، أدت بالفعل إلى ارتكاب جرائم (تطهير عرقي) و(تهجير قسري) ضد سكان الكنابي وحمل مؤتمر الكنابي قيادة القوات المسلحة السودانية المسؤولية الكاملة عن تشكيل ودعم هذه المليشيات والتي تنفذ إبادة جماعية ضد سكان الكنابي.
القـوات المُشـتركة
إبان أحداث (الكنابي) بولاية الجزيرة، اتجهت الأنظار للقوات المشتركة، التي تقاتل إلى جانب الجيش، حيث تشكل الأثنية التي تسكن (الكنابي) 90% من أثنيات القوات.. الباحث السياسي والاستاذ الجامعي، د.نجم الدين عثمان ذهب إلى أن مصالح القوات المشتركة لن يوقفها اعتداءات حلفاءهم على بني جلدتهم، والبيانات الهزيلة التي أصدرتها قيادة المشتركة، لم تجد صدى على مستوى قوات (درع السودان) ناهيك عن قيادة الجيش، وقرار تشكيل لجنة محاسبة تجاه من قام بتنفيذ المذبحة، الهدف منه صرف الأنظار عن الحادثة، ولم ولن تتم محاسبة أحدهم، مما يؤكد أن هنالك نوايا للقضاء على الكنابي التي تمثل قلب لمشروع تمهيدا لتسليمه لدولة أخرى..
ويمضي عثمان في حديثه لـ”إدراك”، إلى أن (مؤتمر الكنابي) وجه وقتها نداءً عاجلًا إلى شباب الكنابي في القوات المشتركة، بأن عليهم واجبًا أخلاقيًا ووطنيًا لحماية أهاليهم في القرى والكنابي، والتصدي لمشروع الإبادة الجماعية التي تُرتكب ضد سكان وقوميات الكنابي تحت صمت وتواطؤ قيادة القوات المسلحة السودانية.
صـراعات مُـسلحة
لمصلحة منْ يُدار الصراع بين المكونات الاجتماعية في ولاية الجزيرة..؟ بيان أمير قبيلة الكواهلة النفيدية بولاية الجزيرة الطيب الإمام جودة، يُجيب على التساؤل في معرض حديثه عن صراع القوى الاجتماعية في المنطقة، والتي أتخذت طابعا مسلحا في الفترة الأخيرة، جودة أشار إلى رفض مكونه الاجتماعي القاطع لمخرجات سلام جوبا لمؤتمر الكنابي، وشدد على أن المخرجات لا تمثلهم كمواطنين للجزيرة، وجاءت لخدمة أجندة لا تراعي مصالح أهل الأرض الأصليين ولم يكونوا طرفا فيها، وذهب (جودة) إلى أن سكان (الكنابي) أما نازحين او لاجئين ، النازح يجب ان تقوم الدوله بتسهيل توطينه في اقليمه الذي نزح منه ، واللاجئ، يجب ارجاعه الى بلده الاصلي او اتباع خطوات مفوضيه شئون اللاجئين.
مع مرور العام الثاني لإتفاقية جوبا بشأن الكنابي بالجزيرة إلا إنها فشلت في تحقيق أي مكاسب لسكانها
وثيقة جــوبا
المظالم التأريخية التي عاشتها (كنابي) الجزيرة، تم الجهر بها في فضاء ثورة ديسمبر، وطرحت في (وثيقة جوبا) ضمن القضايا القومية التي تتبع لمسار الوسط ووضعت كذلك خطط واضحة لمعالجتها ضمن هذا المسار، وتم التأسيس لرد بعض الحقوق، لكن على الرغم من اقتراب العام الثاني على إتفاقية سلام جوبا، إلا أن الأزمة تفاقمت.
القيادي بتحالف المزارعين “محمد عبدالله ذهب” قائلاً: (وثيقة جوبا) وضعت تصوراً لحل مظالم (الكنابي) بولاية الجزيرة، لكن أزمة السياسة السودانية ومصالحها دائماً تكون أقوى وأكثر حضوراً، رؤية سكان (الكنابي) تذهب إلى ضرورة، أن تحل قضايا الكنابي الخدمية، وفق مطالب خدمية وليست سياسية، وأبرز ما تم إنجازه في الفترات السابقة ادخال قضية الكنابي في منبر جوبا التفاوضي ضمن القضايا القومية ذات الخصوصية، لكن تأخر قيام المؤتمر العام لمناقشة قضايا سكان الكنابي التنموية التي نصت في اتفاقية جوبا لسلام السودان، كان سبباً في تأخر حل الأزمة.

حـرب إجتمـاعية
“حرب أبريل أخرجت للسطح كل أزمات الدولة السودانية”، بهذه العبارة أبتدر الباحث الاجتماعي فيصل عبدالقادر، مضيفاً: وجود (الكنابي) في ولاية الجزيرة أمر غير مرغوب فيه لدى قطاعات كبيرة من الرأسمالية ومُلاك الأراضي، بالرغم من أن وجودهم مرتبط بتأريخ تأسيس مشروع الجزيرة، ومصالح كثير من القوى في المنطقة تتطلع لأراضي المشروع، ومحاولات افراغه من أجل بيعه أو رهنه لقوى خارجية، استهداف وقتل وتهجير سكان الكنابي، من الواضح أن خلفه أهداف تتستر وراء فوضى الحرب، الحركة الإسلامية والجيش اشعلوا الحرب والتي تحمل في داخلها حرب اجتماعية تستهدف في الأساس المجموعات الاجتماعية والعرقية التي تستوطن في وسط السودان، من خلال نظرة عرقية وجهوية، أحداث الكنابي بولاية الجزيرة من قطع الرؤوس وبقر البطون والضرب بالرصاص والقاء الشباب أحياء في النهر، دليل على الاحقاد والفرز العنصري والجهوي البغيض من قبل مستنفرين ومليشيات الجيش السوداني.
خـــروج
على طريقة (الهولوكوست) ومشاريع التطهير العِرقي التي كتبها التأريخ، يتم الآن إبادة الآلاف من سكان الكنابي، تحت غطاء حرب (الكرامة)، ومع صمت المجتمع الدولي يفقد سودانيون وجودهم وحيواتهم، على أيدي المتطرفين اجتماعيا وينياً، تُرى هل يتم القضاء على المكونات الاجتماعية في (كنابي) ولاية الجزيرة.. أم يتدخل المجتمع الدولي..؟



