مقالات واراء

السودان وسنوات التدخل الإقليمي من صراع فوضى إلى ميدان لتصفية الحسابات

احمد السميح

 فمشهد التدخلات السودانية الاقليمية بعيدًا عن ازدواجية المعايير فالتدخلات الخارجية للسودان بحدوده التي تشمل تسع دول تجعل تلك الدول تقف معاديه لحكومات و النظام السوداني الحاىي

فنظام 56 الذي تحاول الدفاع عنه اليوم هو نفسه الذي مارس لعقود سياسة التدخل في شؤون الدول المجاورة محاولًا إعادة تشكيل خريطة القرن الإفريقي وفقًا لمصالحه الخاصة.

والأهم من ذلك أنه لم يكن نظامًا أيديولوجيًا خالصًا

 بل نظامًا قائمًا على تحالفات إثنية وسياسية يستخدم الأدوات المتاحة لإعادة ترتيب السلطة في محيطه.

شمالاً في مصر كانت هناك محاولات لتصفية حسني مبارك في واحدة من أخطر العمليات التي كادت تؤدي إلى صدام مباشر بين البلدين.

و شرقاً في إريتريا لعب السودان دورًا كبيرًا في صناعة المشهد السياسي الإريتري من دعم نظام أسياس أفورقي إلى دعم معارضيه عندما تباينت المصالح.

و في إثيوبيا نظام ملس زيناوي خرج من الخرطوم بعد أن ضاق به نظام الخرطوم نفسه ليعود ويشكل تحالفًا جديدًا قلب المعادلات في المنطقة بينما لم يتوقف السودان عن التدخل في الشأن الإثيوبي.

 و لا حاجة للخوض في تفاصيل التدخلات في جنوب السودان بعد الانفصال فقد كانت جزءًا من سياسات الدولة لعقود.

و يوغندا الي كانت مسرحًا لصناعة الأزمات حيث دعمت الخرطوم المعارضة المسلحة هناك حتى اضطر موسيفيني إلى الدخول في تفاهمات سياسية تحت وطأة الضغوط.

فافي إفريقيا الوسطى التي لم يكن تغيير النظام هناك بعيدًا عن أصابع السودان حيث دعمت جماعات مسلحة حتى وصلت إلى القصر الرئاسي وقتلت الرئيس.

اما الحبيبه تشاد ربما كانت الدولة الأكثر تعرضًا لتدخلات النظام السودانى حيث تمت الإطاحة بخمسة أنظمة وصُنع أكثر من ثماني حركات مسلحة ولا يزال النفوذ السوداني هناك قويًا لدرجة أن وزراء في الحكومة التشادية اليوم هم من أصول سودانية.

و في ليبيا دعم السودان المعارضة المسلحة من القبائل ضد القذافي، وكان له دور رئيسي في سقوطه، حيث تحركت الفصائل المدعومة من السودان بفعالية في تلك الحرب.

“العالم كله يسترزق في ليبيا، وكل دول الجوار ساهمت في الأزمة الليبية منذ عام ٢٠١١ حتى الآن”.

لكن لم نجد ليبياً يتهم دول الجوار بإفساد بلده ودعم الحركات المتمردة لأنهم يعلموا تماماً بأنّ الأزمة ليست في المرتزق الذي يأتي من الخارج إلى القتال بل في الشخص الذي سهّل له الأمر وجنّده للقيام بهذا العمل.

ولا ننسى أن الجيش السوداني شارك في غزو العراق للكويت عام 1990 في موقف عُزل بسببه السودان سياسيًا وأدى لتدهور علاقاته مع دول الخليج لعقود.

ثم جاءت المشاركة في حرب اليمن ضمن عاصفة الحزم عام 2015 آخر محطات الدم التي خاضها هذا الجيش خارج حدوده لا دفاعًا عن تراب السودان بل تنفيذًا لأجندات لا تمتُّ لمصلحة الوطن بصلة.

و السؤال المطروح هل يمكن للنظام الذي زرع هذه الفوضى أن يتوقع ولاءً مطلقًا من الدول التي أنهكها بتدخلاته؟

اقول في النهاية هذا نتيجة ما كسبته أيادي النخبة

 السودانية من سياسات خاطئة و فرض الهيمنة والتدخلات.

ومع تصاعد الصراع الإقليمي فقد أصبح السودان بؤارة للتصفية الحسابات

 يبدوأ أن التدخل العلني للأطراف الخارجية الداعمة للجيش في السودان ولم يعد خافيًا على أحد فقد أضحت البلاد ساحةً مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية حيث تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى والإقليمية على حساب دماء السودانيين.

من جهة هناك مصر التي تنظر إلى الساحة السودانية حديقة خلفية و فرصة لمحاصرة إثيوبيا والضغط عليها في ملف سد النهضة ومن جهة أخرى تراعي إثيوبيا بدورها مصالحها الاستراتيجية في سد النهضة و في صراعها الداخلي مع جبهة التيغراي في إقليم الفشقة.

أما إريتريا فتسعى من جانبها إلى تعزيز نفوذها الحدودي مستفيدة من ترابط العلاقات الإثنية مع كل من السودان و إثيوبيا و تاريخها الطويل في دعم الفصائل المسلحة عندما تقتضي مصالحها.

أما أوغندا وتشاد وحتى جنوب السودان وكلٌّ منها يملك مصالح مباشرة أو غير مباشرة في ما يجري سواء عبر اللاجئين أو تجارة السلاح أو تصفية حسابات داخلية عبر الإستفادة من السيوله الأمنية في السودان.

و يلعب النفوذ الإيراني و التوسع الشيعي في المنطقة مع تحالف الحركات الإسلامية دافع للتدخلات الإيرانية.

ويشكّل الصراع في السودان تهديدًا حقيقيًا لدول الخليج

 لمن زاوية الأمن الإقليمي و تشابك المصالح الدولية في البحر الأحمر والساحل الإفريقي

مع تباين مواقف دول الخليجية ما بين السعودية خصوصًا في ظل قربها الجغرافي وتأثرها المباشر بما يجري على البحر الأحمر. أما الإمارات وضمان نفوذ استراتيجي طويل الأمد في شرق السودان و ضد توسع إيران .

وفي المقابل تقف قطر بمقاربة مختلفة تركز على أدواتها الناعمة والدبلوماسية مع ميل واضح لدعم قوى إسلامية ترى فيها امتدادًا لمصالحها أو توازنًا ضد توسع إيران .

أما روسيا فتسعى لانتزاع موطئ قدم دائم على البحر الأحمر والسيطرة على الثروات المعدنية من نفط وغاز في شرق السودان بالإضافة إلى الذهب.

وتركيا تسير على خطاها مدفوعة بطموحات توسعية واقتصادية مماثلة.

ثم تأتي الصين بعينها على مشروع طريق الحرير ساعية للهيمنة على ممرات التجارة العالمية عبر البحر الأحمر فيما تحاول الولايات المتحدة وأوروبا إعادة صياغة نفوذهما في القارة والتحكم في موازين القوى من خلال دعم غير مباشر لهذا الطرف أو ذاك.

 فالنظرة الأساسية إلى السودان كلوح شطرنج او ساحة لتصفية الحسابات و الخلافات وتحقيق مصالح مهما كلّف الثمن ومهما نزف هذا البلد المنهك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى