مقالات واراء

في مسألة الدولة الجديدة: نحو أفق جديد لحصار مشروع الدولة القديمة

الصادق سالم يكتب:

الانسان المستسلم والخاضع للغير لا يصنع فارقاً ولا يعول عليه، في التاريخ البشري الممتد لا توجد أمه أو شعب نهض من عزلته وقاوم الاستبداد، وحلَّق بسلام في فضاء الحرية دون التفكير خارج الإطار المألوف، ومواجهة البديهيات التي صنعها الجلاد كخطوط حمراء لا يمكن الاقتراب منها أو تجاوزها. يقول ايتيان دي لابويسيه: “عندما يتعرض مجتمع لقمع طويل تنشأ اجيال من هذا المجتمع لا تحتاج الى الحرية وتصبح منسجمة مع الاستبداد ويظهر فيها ما يسمى بالمواطن المستقر”

عمدت سلطة بورتسودان صنيعة الجيش والطبقة المستفيدة منه، إلى اشعال الحرب أولاً، ثم إطالة أمدها لخلق حالة من الخضوع والاستسلام لدى السودانيين = صناعة مجتمع مستقر، لاجبارهم على إعادة النظر في مواقفهم المناهضة للحرب، والتسليم بسلامة موقف جنرالات الحركة الاسلامية وسدنة الدولة القديمة المخادع وادعائاتهم الزائفة. لقد آمنت العصابة بصحة فرضياتها الكارثية وضمان نتائحها، لدرجة الغلو والاستهزاء بأي صوت حر دعى باكراً لوقف الحرب واطفاء حرائقها.

لم يكن الموقف الاخلاقي السليم، الذي تصدى بجرأة لدعاة الخراب وعسكرة المجتمع منذ ساعات الحرب الأولى، ناتج عن ضعف أو عدم القدرة على التفكير خارج المألوف، كما فهمه معسكر الحرب. بل كان محاولة جادة لمحاصرة حماقات ومغامرات الضباط المرتشين في قيادة الجيش، ووأد طموحاتهم الفاشلة في مهدها، وانقاذ السودانيين من المحرقة التي أعدَّها بمكر من يدعون اليوم الدفاع عن كرامتهم.

تمادت سلطة بورتسودان مدفوعة بهياج الطبقة المستفيدة من وجودها، في عنجهيتها وغطرستها، غير مبالية بمأساة السودانيين، وصرخات النساء وأنين الشيوخ والاطفال، مستخدمة في ذلك امتياز الدولة، لمحاربة ومعاقبة المجتمعات على نطاق واسع من أرض السودان، وفي كل مرحلة من مراحل تطرفها وبطشها، يشحذ انصارها عشرات الحجج لتبرير قمع وقتل الناس ومصادرة حقوقهم، جاءت معظم تلك المبررات باسم الدولة والمحافظة عليها. لقد نسى هؤلاء الناس أو تناسوا، أن الدولة التي يقتلون الناس باسمها ليست ملكهم، ويمكن للآخرين اتخاذ خطوات حاسمة، لسحب هذا الامتياز من بين أيديهم مثلما يحدث الآن.

وفي غمرة سكرتهم بامتيازهم السائد لسنوات طوال، لم يفطن معسكر الحرب في بورتسودان، إلى أن السودانيين،لم يتحولوا بعد إلى مجتمع مستقر، وأن جذوة التمرد والمقاومة لا تزال متَّقدة، تغذيها باستمرار تضحيات جسام، قدمها ولا يزال يقدمها ابطال المقاومة المسلحة من أشاوس الدعم السريع والمقاتلين في الجيش الشعبي لتحرير السودان وحركات الكفاح المسلح المؤمنة بضرورة وحتمية التغيير، وجميع الثائرات والثوار من جهات السودان الأربعة، وضحايا حروب الدولة القديمة الباطشة.

مع استمرار التفكير خارج الإطار المألوف الذي ابتدرته مجموعة من السودانيين الأحرار، وسعيهم الدؤوب لنزع امتياز الدولة عن عصابة بورتسودان وحلفائها، جاء ميلاد تحالف السودان التأسيسي، كخطوة جادة وجريئة لامتلاك زمام المبادرة، وتأسيس جمهورية جديدة تساوي بين مواطنيها، من أولوياتها هدم الإرث الاستعماري الذي حرم الشعب السوداني من حقوقه الأساسية، ومخاطبة هموم وقضايا الناس المبعدين قسراً بسبب الإرث والثقافة الاستعمارية البغضية، وفتح المجال أمام السودانيين وتمكينهم من التعبير بالأصالة عن قضاياهم، في وطن واحد حر وديموقراطي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى