
“الفرد الذي لا يمتلك رغباته وأهوائه لا شخصية له، تماماً كما لا شخصية للمحرك البخاري، وكل من يتجاهل قدراته الأسمي ويعجز عن مقاربة الحياة بالدرجة المطلوبة من الجدية الأخلاقية والفكرية خائن لكرامة الجنس البشري – فرانسيس فوكاياما”.
الثورة هي التحرر من القيود المفروضة وبناء الكينونة الذاتية المستقلة؛ سواءاً كان ذلك علي مستوي الأفراد، الجماعات، أو المؤسسات الإجتماعية “من الأسرة الي الدولة”.
قامت ثورات عديدة في تاريخ البشرية؛ منها ما وُفِقْ في إنجاز التغيير ومنها ما فشل. وبما أن مشروع التحرر مرتبط بالأبعاد الأخلاقية للثورة والتي هي “المبادئ والأهداف من جانب، وتحقيق آمال وتطلعات الجماهير من جانب آخر” فإن الفشل غالباً ما يتسلل عبر بوابة التساهل في الأمور الجوهرية المرتبطة بحياة الناس والمُعبر عنها في أهداف ومبادئ الثورة. وكما تعلمنا التجارب أن الثورة ليست أمنيات وإنما أفعال واعية وعلي درجة كبيرة من النضج الذي يستدعي الفصل بين الخاص والعام.
ثورة السودان الجديد؛ هي امتداد تاريخي لرفض الواقع منذ التركية السابقة مروراً بالثورة المهدية وحتي قيام الحركات المطلبية في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، ثم تلاها قيام حركات الكفاح المُسلح “جنوب السودان في 1955م، جبال النوبة 1985م، النيل الأزرق 1986م، ودارفور في 2003م، وأخيراً ثورة قوات الدعم السريع من داخل الخرطوم في 15أبريل 2023م تتويجاً لنضالات الهامش. وقدمت تضحيات بالملايين من الشهداء. بالإضافة إلي الممسكين بجمر الإنتظار من الأرامل، الأيتام، النازحين واللاجئين ومُعاقي الحرب.
كل تلك التضحيات؛ كان الهدف منها إعادة هيكلة وبناء الدولة السودانية علي أسس وطنية جديدة، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر في الحقوق الدستورية للمواطن السوداني بعامة؛ حقه في الحياة والكرامة الإنسانية – ولا كرامة لإنسان منزوع الهوية بكل ما تحمل من معني. فمنذ زمن بعيد ومع أوائل تَشكُل الإتجاهات الوطنية في السودان برزت قضية الهوية في الجدل الذي دار في أوساط الأفندية والمثقفين ولم يفلح في حسم موضوع الهوية – هوية الدولة السودانية، كواحدة من أمهات القضايا، ومع تطورات الأزمة برزت إلي السطح علاقة الدين بالدولة والدستور الإسلامي وقوانين الشريعة الإسلامية. مع تطور الوعي بمفهوم الدولة والحقوق برزت قضية أخري أكثر تعقيداً وهي التنمية غير المتوازنة واستنزاف الريف السوداني لمصلحة مركز السلطة في الخرطوم، وأخيراً قضايا الحرب والسلام. مُجمل هذه القضايا وقضايا أخري في سُلم ترتيب الأولويات لا يمكن مخاطبتها دون مرجعية دستورية قانونية تحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم (العقد الإجتماعي الجديد) المُجمع عليه بإرادة حرة وواعية، وعلي مدار أكثر من ستة عقود (67عاماً) من إستمرار الظلم والحروبات لم نصل إلي أية تسوية نتيجة لتعنت النُخب الحاكمة وإخفاق بعض قادة حركات الكفاح المسلح وتحولهم إلي نُخب أوليغارشية تتحدث بإسم الجماهير وتخدم أهدافها الخاصة من أجل الوصول إلي السلطة في بنية الدولة القديمة ونتيجة لذلك حدثت بعض الإنشقاقات في ماضي الثورة “تمرد الرفيق رياك مشار علي SPLM بقيادة د. جون قرنق، إنشقاق الرفيق مني أركو مناوي من SLM بقيادة الأستاذ عبد الواحد، …الخ، والتي كادت أن تطيح بكل المساعي الجادة في إيجاد أو فرض الحلول.
تحالف السودان التأسيسي هو آخر محطة توقف عندها قطار ثورة المهمشين “دولة السودان الجديد” والتي تمت هيكلتها علي أسس جديدة، المُعلنة في 26يوليو 2025م؛ والتي ستواصل مهام التحرير لتحقيق المبادئ والأهداف الواردة في الميثاق التأسيسي والدستور القومي الإنتقالي لسنة 2025م. وبالتالي حكومة تأسيس ليست حكومة إمتيازات أومحاصصات وإنما حكومة تحرير. أوجب واجباتها تشييع دولة 56 إلي مثواها الأخير، تحقيق الأمن في مناطق سيطرتها وبسط سيادتها علي كل الأراضي السودانية، دخول المساعدات الإنسانية، تسهيل عودة النازحين واللاجئين الي قراهم ومُدنهم وتنظيم حياة المجتمع وبناء الأمة السودانية الجديدة التي ترتكز علي التنوع التاريخي والمعاصر، ودعوة كل الأطراف الحادبة علي مصلحة التغيير للحوار وتوسيع المشتركات والمُضي قدماً نحو إعادة بناء الدولة السودانية.
النضال مستمر …



