
بعيداً عن أحداث و مشاهد حرب الجنوب، و لوهلة في لحظة تتعقد فيها مجريات المشهد في السودان اليوم، حيث نشهد تحولًا عميقًا في طبيعة الصراع، و لم يعد مجرد نزاع بين النخب السياسية منذ انفصال جنوب السودان بل أصبح معركة أكثر تعقيدًا وتشابكًا لا يمكن حلها بمجرد الجلوس على طاولة المفاوضات.
في الماضي كان صراع المركز بعيداُ عن الهامش محصورًا بين أبناء النخبة السياسية التي انقسمت بين يمينها ويسارها نخبٌ بنيت على أسس إثنية وتغلفت بأيديولوجيات براقة.
كانت نزاعاتهم تدور في أروقة المؤتمرات وصالات الإجتماعات دون أن تستدعي تدخلًا عسكريًا حقيقيًا. الجيش الذي كان جزءًا من هذه النخبة الشمالية، إستخدم الجماهير كأداة تحريك يرفع الشعارات الملونة والرنانة ليعيد تدوير نفس الوجوه ويبدّل الأقنعة دون تغيير حقيقي في السلطة.
وهكذا لم تكن الثورات التي شهدناها في أكتوبر وأبريل وديسمبر، سوى عمليات إستبدال ديكتاتور بآخر، تحت شعارات جوفاء.
لكن فجأة تغيرت الأمور، و شعرت هذه النخبة التي تنتمي إلى جهة جغرافية واحدة بتهديد صعود طبقة جديدة من المجتمع السوداني.
طبقة طالما كانت مستبعدة من مراكز السلطة، لكنها بدأت تتشكل وتطالب بحقوقها وللاحتواء لجأت النخبة إلى ما سُمّي بالاتفاق الإطاري الذي لم يكن سوى بداية الفوضى السياسية والأمنية الحالية، وأول شرارة للحرب التي نعيشها اليوم.
الصراع بين الجيش والدعم السريع كان انعكاسًا مباشرًا لهذا التوتر؛ فقد دعمت بعض أطراف النخبة قائد الدعم السريع ليس عن اقتناع بل في محاولة لإحتوائه ومنع تمدده أكثر مما ينبغي، بينما رأى آخرون ضرورة إبقائه تحت السيطرة كحارس لمصالحهم، وهكذا..!
وجد الدعم السريع نفسه في صراع مباشر لتشتعل شرارة معركة أبريل التي كشفت الوجه الحقيقي للصراع.
فجأة انحازت النخبة بأكملها إلى الجيش، وأطلقت آلة إعلامية ضخمة صورت الدعم السريع على أنه وحش بربري، مغول العصر الحديث.
ومع تصاعد القتال، شهد السودان أسوأ الممارسات في تاريخه الحديث حيث تجاوز العنف كل حدود الحروب التقليدية، عمليات ذبح موثقة أظهرت وحشية غير مسبوقة كما حدث في ود مدني حيث تم توثيق ذبح أكثر من مئة شخص في مشهد واحد وسط هتافات التكبير والتهليل ما يؤكد انخراط عناصر التنظيم الإسلامي المتطرف في هذه المجازر.
وبغطاء إعلامي سعت النخبة لتبرير هذا السلوك الوحشي مستخدمة الذبح والقتل كرسائل ردع لمن يتجرأ على الخروج عن سيطرتها.
تحولت الحرب إلى وسيلة لتصفية الحسابات ليس مع أفراد، بل مع مجتمعات بأكملها كما حدث في دارفور وكردفان، حيث تم استخدام العقاب الجماعي عبر القصف الجوي وفرض قانون المناطق المغلقة، ووصم تلك المناطق بأنها حواضن للدعم السريع لتبرير استهدافها.
لكن ما يجري اليوم ليس مجرد حرب بل قد يكون الشرارة الحقيقية لثورة مسلحة و مختلفة .
ثورة لا تهدف إلى استبدال نخبة بأخرى، بل إلى إقتلاع جذور تلك الطبقة التي ظلت تتحكم في مصير السودان لعقود.
فهي الطريق الوحيد للتغيير الجذري و لإسقاط الطبقية والديكتاتورية و إعادة السودان للجميع.



