
في عالم الإعلام، الذي يتطلب مهنية وحيادية عالية، تجد بعض المؤسسات الإعلامية نفسها محاصرة بمواقفها الأيديولوجية، التي تطغى أحيانًا على دورها في نقل الحقيقة. قناة الجزيرة، التي لطالما أثارت الجدل بمواقفها التحريرية، قدمت مثالًا جديدًا على هذا التناقض في تغطيتها الأخيرة لخبر العقوبات الأمريكية المتوقعة على محمد حمدان دقلو (حميدتي)، قائد قوات الدعم السريع.
بينما نقلت وكالة رويترز الخبر بصيغة دقيقة تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفرض عقوبات على حميدتي بناءً على تصريحات من مصادر دبلوماسية، قدمت الجزيرة نفس الخبر بصيغة مختلفة تمامًا. جاء في عنوان الجزيرة: “واشنطن تفرض عقوبات على قائد قوات الدعم السريع”، مما يوحي بأن الحدث قد وقع بالفعل. وبينما أكدت رويترز أن العقوبات ما زالت في طور التحضير ولم تُنفذ بعد، حولت الجزيرة الخبر إلى واقع، مما يثير تساؤلات حول دقة ومهنية التغطية الإعلامية للقناة.
ما قامت به الجزيرة هنا ليس مجرد خطأ في الصياغة، بل هو انعكاس واضح لانحيازها المستمر. القناة، التي تعلن دعمها لحكومة الإخوان المسلمين في بورتسودان، تحاول دائمًا أن تبدو مهنية، لكنها تفشل في خلع رداء الأيديولوجيا الإخوانية الذي أصبح جزءًا من هويتها التحريرية.
هذه ليست المرة الأولى التي تُتهم فيها الجزيرة بعدم المهنية. ففي السادس من يونيو 2011، أعلنت القناة فوز عبد العزيز الحلو في انتخابات كادقلي، لتعود بعد نصف ساعة فقط عبر نفس الشريط الإخباري وتعلن فوز أحمد هارون، مرشح الإخوان المسلمين المدعوم من الخرطوم. هذا التناقض الصارخ في نقل الأخبار كان أحد الأسباب الرئيسية لتأجيج الحرب في جنوب كردفان، حيث لعبت الجزيرة دور البوق الإعلامي لجماعة الإخوان المسلمين بدلًا من الالتزام بمعايير الحياد والنقل الدقيق للأحداث.
الجزيرة في تغطيتها الأخيرة للعقوبات على حميدتي لم تفعل سوى تأكيد نمطها المعتاد. صياغة الخبر بصيغة الماضي وكأن الحدث قد وقع بالفعل ليست مجرد زلة، بل هي جزء من سياسة تحريرية تُظهر انحيازها ضد قوات الدعم السريع لصالح حكومة الإخوان في بورتسودان، التي ترى فيها حليفًا سياسيًا وأيديولوجيًا.
في زمن الأزمات، يصبح الإعلام سلاحًا ذا حدين. إما أن يكون وسيلة لتهدئة الصراعات من خلال نقل الحقائق بدقة، أو أن يتحول إلى أداة لإشعالها من خلال الانحياز والتلاعب بالمعلومات. الجزيرة، التي اعتادت أن تكون بوقًا لجماعة الإخوان المسلمين أكثر من كونها مؤسسة إعلامية مهنية، قد ساهمت مرارًا وتكرارًا في تأجيج النزاعات في السودان.
إن تغطية خبر العقوبات على حميدتي بصيغة مؤكدة، بينما المصدر الأصلي (رويترز) يشير إلى أن الأمر ما زال قيد التحضير، ليس إلا استكمالًا لدور الجزيرة في تضليل الجمهور، وهو نهج اعتدنا عليه في تغطيتها للأحداث السودانية. الإعلام أمانة، لكن الجزيرة اختارت أن تكون طرفًا في النزاع، وهو ما يجعلها تفقد مصداقيتها يومًا بعد يوم.
في النهاية، إن استمرار الجزيرة في هذا النهج يجعلها بعيدة كل البعد عن المصداقية والمهنية التي يدعيها القائمون عليها. الحياد ليس خيارًا بل ضرورة في الإعلام، خاصة في أوقات الأزمات، لكن الجزيرة تفضل أن تبقى بوقًا لجماعة الإخوان المسلمين، مما يجعلها جزءًا من المشكلة بدلًا من أن تكون جزءًا من الحل.


