خطر الجماعات المتشددة يهدد فرص نظام بورتسودان للاندماج مع أجندة واشنطن الإقليمية
عمار نجم الدين

شهد السودان خلال العام والنصف الماضي تحولات عميقة في استراتيجياته السياسية، حيث تخلى الجيش السوداني عن التزاماته تجاه الولايات المتحدة ، التي أطلقت برنامج “اتفاقيات إبراهيم” لتشجيع التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل. ووقع السودان على الاتفاقية إلى جانب الإمارات وإسرائيل، تحت ضغط من واشنطن تحت ادارة ترامب السابقة التي كانت تأمل في ضم السودان إلى شبكة إقليمية تهدف لمواجهة النفوذ الإيراني وتعزيز تحالف قوي مع إسرائيل.
لكن فيما سعت إدارة ترامب لتأمين هذا الاتفاق، كانت النوايا الحقيقية للقيادة العسكرية السودانية، بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، متجهة نحو أهداف أخرى. رأى البرهان في اتفاقية إبراهيم وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية ومالية، دون التزام حقيقي بتغيير استراتيجي في السياسات الداخلية للسودان أو علاقاته مع الحركات الإسلامية المتشددة.
وفي بداية مسار التطبيع، أبدى البرهان استعداده للمضي في العلاقة مع إسرائيل، محاولاً التقارب معها. لكن سرعان ما بدأ هذا الالتزام يتراجع، إذ أعاد البرهان وقيادة الجيش تعزيز التعاون مع الإسلاميين، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين. وأدى هذا التراجع عن الالتزامات إلى توتر في علاقات السودان مع إسرائيل والولايات المتحدة، ما جعل الالتزام باتفاقيات إبراهيم في مهب الريح.
من جانب آخر، أشار الناطق الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي في تصريحاته الأخيرة إلى أن هناك تعاونًا بين وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم، القيادي في جماعة الإخوان المسلمين، والمجاهد السابق في حرب الجنوب. هذا التعاون المثير للجدل يشمل تنسيقاً مع جماعة “بوكو حرام” الإرهابية، المتهمة بتنفيذ تفجير الأسبوع الماضي في تشاد.
تعكس هذه التطورات مدى تعقيد المشهد السوداني وتشابك مصالح الجماعات الإسلامية المتشددة مع القيادة السودانية الحالية، مما يهدد بتقويض فرص السودان للعودة إلى مسار التطبيع ويعزز من عزلته عن المجتمع الدولي.
ومع اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، ظهرت على الساحة شخصيات إسلامية ومجاهدون سابقون، مثل محمد علي الجزولي، زعيم تنظيم داعش في السودان، الذي اعتقل في اليوم الأول للحرب وهو يقاتل ضمن صفوف الجيش السوداني.
هذه التحالفات تعكس تعقيدات الساحة السياسية وتضع السودان في موقف حرج أمام الولايات المتحدة، التي تعتبر التحالف مع الإسلاميين المتشددين تهديداً للعلاقات الدبلوماسية مع الغرب.
وفي مقابلة حديثة أجراها محمد عيد الله إدريس، سفير السودان في واشنطن، مع قناة “الحرة”، صرح بأن السودان لن يعود إلى التحالف مع إسرائيل، وأكد أن “مياهًا كثيرة قد جرت تحت الجسر منذ اتفاقيات التطبيع في عهد ترامب”.
هذا التصريح يشير إلى عودة السودان إلى أحضان الإسلاميين دون مواربة، وإلى تحالفات قديمة مع إيران تعود للواجهة، مما يثير التساؤلات حول استقلالية الجيش السوداني عن الجماعات الإسلامية.
في يناير 2024، ظهرت تقارير تشير إلى أن إيران زودت الجيش السوداني بطائرات مسيرة من طراز “مهاجر 6” وطائرات ابابيل ومعدات عسكرية متقدمة. يعيد هذا التعاون الجيش السوداني إلى دائرة النفوذ الإيراني في توقيت حساس، ليصبح تحديًا كبيرًا ليس فقط لإسرائيل، بل أيضًا لإدارة بايدن، إذ تعكس هذه الطائرات رسالة سياسية قوية موجهة لدول المنطقة.
التعاون العسكري بين إيران والسودان يهدد السلام والاستقرار الإقليمي، خاصة أن إيران تُعرف بدعمها للمليشيات واستخدام الطائرات المسيرة في صراعات الشرق الأوسط كما في سوريا واليمن.
رغم توقيع اتفاقيات التطبيع، تحتفظ القيادة السودانية بعلاقات قوية مع حركة حماس، مما يعزز التحالف بين “إخوان السودان” و”إخوان فلسطين”. هذا التحالف يتجاوز التلاقي الأيديولوجي، ويضع السودان في موقف عدائي تجاه إسرائيل، ويزيد الشكوك حول نواياه في مسار التطبيع.
التقارب مع حماس يجعل عودة السودان إلى مسار التطبيع أمرًا شبه مستحيل، ويعزز من عزلة السودان الدولية، ويهدد بإشعال مواجهات جديدة مع إسرائيل التي تشعر بالقلق إزاء دعم السودان للجماعات المسلحة.
اليوم، بعد مرور 574 يومًا على بداية الحرب، يتضح أن الملف السوداني يشكل تحديًا حقيقيًا للإدارة الأميركية المقبلة. علاقات الجيش السوداني مع إيران، تحالفاته مع الإسلاميين، ودعمه لحماس وبوكو حرام، تضع السودان في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي.
تتطلب هذه الوضعية من الإدارة الأميركية اتخاذ خطوات استراتيجية لاحتواء التهديد قبل أن يتحول إلى أزمة إقليمية كبرى، خاصة في ظل انهيار مسار “اتفاقيات إبراهيم” وتزايد النفوذ الإيراني والإسلامي في السودان.



