مقالات واراء

إقتصاد السودان في قبضة الحرب: لا إنقاذ بلا سلام

دكتور/ إبراهيم الضي محمد أزرق باحث وأكاديمي.

يعيش السودان اليوم أزمة إقتصادية خانقة، إذ إنها لم تأت من فراغ، وإنما تمثل نتيجة حتمية لمسار سياسي خاطئ ، ولتبني الجيش والحركة الإسلامية المتخالفة معه خيار الحرب كوسيلة للإستحواذ على السلطة، دون تقديرات كافية لكلفتها الإنسانية والإقتصادية، أو لطبيعة الصراع وقدرة الدعم السريع على الصمود والإستمرار على القتال لفترات طويلة، وما يترتب على ذلك من إستنزاف هائل للموارد المالية والبشرية.

فإن الأزمة الإقتصادية السودانية هي إنعكاس مباشر لأزمة في جوهرها أزمة سياسية عميقة ومتوارثة.
فتدهور قيمة العملة، وندرة النقد الأجنبي، وشح الوقود، والإرتفاع الحاد في أسعار السلع والخدمات وإنعدام بعضها ، ليست سوى مظاهر لأزمة بنيوية أصابت الدولة ومؤسساتها وقطاعاتها الإنتاجية.

ولهذا، فإن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقوم على التحكم على تطبيق بنكك ولا على الودائع المالية أو المنح المشروطة ؛ لأن المشكلة في أساسها ليست مشكلة سيولة فقط، وإنما أزمة مركبة ، أزمة إنتاج ومؤسسات وعقلية إدارية وبيئة سياسية متشاكسة.

فماذا يمكن أن نتوقع من دولة تعطلت فيها المشروعات الإنتاجية، وتراجع فيها الإستثمار، وهرب منها جزء كبير من رأسالمال النقدي، وفقدت أعداد هائلة من القوى العاملة، بينما تحولت قطاعات واسعة من الأيدي العاملة إلى أيد تحمل السلاح هنا وهناك ، بعد ما كانت تحمل أدوات الإنتاج؟
وتوضح الصورة أكثر بعد ما أُعلن رسميا من رئيس الوزراء الجيش بأن تحالف تأسيس يسيطر على نسبة 70% من المشروعات الإنتاجية، فالفرق كبير في درجة الإستقرار الإقتصادي والمستوى المعيشي بين مناطق سيطرة تحالف تأسيس ومناطق سيطرة الجيش.
كل هذا يكشف حجم العلل والمصاب الذي أصاب الإقتصاد المتهالك أصلا في ذاته ، وهذا يؤكد أن إستمرار الحرب يعني عمليا إستمرار تعطيل دورة الإنتاج، وتآكل الموارد، وإتساع دائرة الفقر والبطالة والنزوح.

إن الإقتصاد لا يمكن أن يتعافى في ظل الحرب؛ فالإنتاج يحتاج إلى الأمن، والإستثمار يحتاج إلى الإستقرار، والأسواق تحتاج إلى مؤسسات فاعلة، والعملة تحتاج إلى إقتصاد منتج وقادر على توفير السلع والخدمات وتوليد النقد الأجنبي.

ومن هنا، فإن المدخل الحقيقي لمعالجة الأزمة يبدأ سياسيا قبل أن يكون اقتصاديا، وذلك بالإستماع إلى صوت العقل، والتعامل الجاد مع المبادرات المطروحة، والعمل من أجل سلام عادل وشامل ينهي الحرب ويوقف نزيف الموارد والدماء.

والسلام المطلوب ليس مجرد تسوية مؤقتة تعيد إنتاج أسباب الصراع، وإنما سلام يؤسس لمرحلة جديدة من بناء الدولة، ويضع حدا لإرث الصراعات والإنقلابات والحروب، ويفتح الطريق أمام عقد إجتماعي جديد يقوم على المواطنة والعدالة والمساواة، ويؤسس لنظام سياسي ودستوري مدني يعكس التنوع الثقافي والإجتماعي للسودان.

لقد أثبتت سنوات الحرب أن الإستمرار في النهج القديم لن يقود إلا إلى مزيد من الإنهيار ، ولذلك فإن إعادة بناء السودان تتطلب الإنتقال من منطق الغلبة العسكرية إلى منطق الدولة والمؤسسات، ومن إقتصاد الحرب إلى إقتصاد الإنتاج، ومن الإقصاء إلى المشاركة، ومن الصراع على السلطة إلى التوافق حول كيفية بناء دولة تتسع لجميع السودانيين.

فالحرب لا تنشئ مشروعا إنتاجيا، ولا تنتج سلعة، ولا تقدم خدمة، ولا تبني اقتصادا ، الحرب نار يسعرها المال والرجال، لكنها في النهاية تحرق الجميع، وتترك خلفها دولة أكثر فقرا، ومجتمعا أكثر انقساما، وإقتصادا أكثر إنهاكا.

فالطريق إلى إنقاذ الإقتصاد السوداني يبدأ بإيقاف الحرب؛ لأن السلام ليس فقط ضرورة إنسانية وسياسية، بل هو أيضا الشرط الأول لإستعادة الإنتاج، وإعادة بناء المؤسسات، وإنقاذ ما تبقى من الدولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى