مقالات واراء

غشاء القلوب: في القيمة الاجتماعية للحشمة

دكتور الوليد آدم مادبو

واعلمْ بأنَّ مع السكوتِ لبابةً

ومن التكلُّمِ ما يكونُ خبالا

— أبو حيان التوحيدي

الحشمة هنا ليست كتمانًا لعيب أو تسترًا على جناية، وليست حتى احتمالًا لجرح يحتاج إلى مصارحة؛ إنها فضيلة إيجابية تحفظ رهافة الشعور من أن يُفسدها الإفصاح، وتحفظ العلاقة من التوتر الذي قد ينشأ بمجرد استحضار مكنون يعرفه الطرفان أو يشعر به أحدهما.

وقد يكون هذا المكنون أمرًا لا يؤذي بالمعنى المباشر، لكنه يُربك، أو يخرج الآخر من لحظة تماسكه الوجداني. كأن يلتقي اثنان كانا يومًا عاشقين، ففرّقت بينهما الأقدار، وتزوج كل منهما غير الآخر، ثم جمعهما مجلس أو مناسبة. هنا تصبح الحشمة حاجزًا لا يخفي أذى، بل يحفظ للقاء وقاره.

ومن هذه المنطقة الدقيقة تبدأ الحشمة في اكتساب قيمتها الاجتماعية؛ فهي لا تقوم على جهل الآخر، ولا على إنكار ما نشعر به تجاهه، وإنما على إدراك أن ليس كل ما نعرفه أو نشعر به يحتاج إلى أن يتحول إلى كلام.

وهذا الإدراك يتجلى في أكثر من مستوى: في وجه الآخر الذي يستوقفنا قبل أن ننطق، وفي الستر الذي يتجاوز الإخفاء إلى الرحمة، وفي الشعر الذي أدرك رهافة المسافة قبل أن تُصاغ في لغة الفلسفة، حتى نصل أخيرًا إلى الاستعارة التي تجمع هذا كله: غشاء القلوب.

أولًا: البعد الإنساني والفلسفي — وجه الآخر المصون

بين وجهها ونظرتك قماشة رقيقة، كأنها من نسيج الهواء، لا تحجب ملامحها بل تؤجل اكتمالها في ذهنك. تراها ولا تراها، تعرف ولا تعرف، وفي هذا التأرجح تنبت الرغبة في المعرفة لا في الحيازة. هكذا تبدو الحشمة: غشاء بين القلوب أرقّ من أن يُلمس، وأصلب من أن يُخترق دون أثر.

ولماذا يستوقفنا وجه الآخر أصلًا قبل أن ننطق بما نعرفه عنه، أو بما نحمله تجاهه؟ لأن في وجه أي إنسان أمامك نداءً صامتًا يسبق كل كلمة: لا تختزلني في لحظتي هذه.

يمكن أن نستدعي هنا فكرة «الوجه» عند الفيلسوف الفرنسي إيمانويل ليفيناس؛ فالوجه عنده ليس مجرد ملامح نراها، وإنما حضور الآخر الذي يستدعي مسؤولية أخلاقية تسبق أي عقد أو اتفاق. بمجرد أن يظهر الآخر أمامك، تنشأ مسؤولية تجاهه: أن تراه دون أن تمتلكه، وأن تعرفه دون أن تستبيحه، وأن تقترب منه دون أن تلغي المسافة التي تحفظ إنسانيته.

والحشمة إحدى تجليات هذه المسؤولية. فأنت لا تصون كرامة الآخر لأنه طلب منك ذلك، بل لأن حضوره أمامك يفرض عليك ألا تعرّيه، وألا تختزل وجوده في معرفة واحدة أو شعور واحد.

وعندما تتحول هذه الرؤية من علاقة فردية إلى سلوك متبادل، تتكشف للحشمة قيمتها الاجتماعية. فالمجتمع الذي لا يترك للإنسان مساحة لما لا يُقال، ولا يمنحه حق الاحتفاظ ببعض مكنوناته بعيدًا عن التداول، يحول العلاقات إلى فضاء مكشوف يفقد فيه الناس شيئًا من أمانهم الوجداني. أما المجتمع الذي يحرسه هذا الحياء المتبادل، فيمنح أفراده مساحة لأن يكونوا أكثر من كل ما يُعرف عنهم، وأكثر من كل ما يُقال في حضرتهم أو غيبتهم.

وهذه المساحة، وإن بدت صغيرة ورقيقة، هي التي تسمح للعلاقات بأن تتنفس.

ثانيًا: الستار — حين يصبح الستر فضيلة

وإذا كان وجه الآخر هو الموضع الذي تبدأ عنده مسؤوليتنا الفلسفية، فإن التراث الروحي يمنح هذه المسؤولية عمقًا آخر لا تبلغه الفلسفة وحدها. فالستر ليس مجرد إخفاء لما ينبغي أن يُكشف، وإنما قد يكون فعل رحمة: أن ترى ما لا يراه الآخرون، ثم لا تجعل من رؤيتك امتيازًا عليهم.

وهنا يكتسب «الستار» بعدًا روحيًا يتجاوز الاستعارة؛ فقد ورد في الحديث: «إن الله عز وجل حييٌّ ستيرٌ، يحب الحياء والستر»، في سنن أبي داود، حديث رقم 4012، وحسّنه وصححه أهل الحديث.

وفي هذا المعنى ما يلامس جوهر الحشمة: أن العلم بما خفي لا يستلزم كشفه، وأن القدرة على الرؤية لا تمنح صاحبها حق التعرية. فالستر، في أعمق معانيه، كمال في استعمال المعرفة لا نقص فيها.

ومن هنا يصبح «الستار» أكثر من حاجز؛ إنه ذلك الحجاب الرقيق الذي لا يمنع الرؤية، وإنما يمنع التعرية. لا يقول للقلب: لا تعرف، بل يقول له: اعرف، ثم احفظ.

وفي هذه الصورة شيء من جوهر المحبة نفسها؛ فالمحبة لا تعني أن تنفذ إلى كل ما في الآخر، وإنما أن تعرف أين تتوقف، وأي مسافة تتركها له حتى يظل محتفظًا بشيء من حريته الداخلية. فالقرب الحقيقي هو الذي يعرف قيمة المسافة، لا الذي يلغيها.

وهنا تلتقي الحشمة بفكرة أعمق: أن بعض ما بين الناس لا يحتاج إلى أن يُفسَّر لكي يكون مفهومًا، ولا إلى أن يُسمّى لكي يكون حاضرًا. وربما كان هذا هو السبب في أن الحشمة لا تبدو كقانون خارجي بقدر ما تبدو كحاسة داخلية؛ شيء في القلب يقول لك إن هذه الكلمة زائدة، وإن هذه النظرة تجاوزت موضعها، وإن الأفضل أن تترك للمعنى بعض ما يحتاجه من ستر.

ثالثًا: النافذة الشعرية — حين يُبقي الحجاب الشوق حيًا

ولعل الشعراء العرب أدركوا هذه الرهافة قبل أن تُصاغ في لغة الفلسفة أو تُروى في الحديث. فالحب نفسه كثيرًا ما يعيش في هذه المسافة، ويستمد بعض قوته من الأشياء التي لا تُنال كاملة ولا تُكشف كلها.

يقول ابن الفارض:

*وَلَولا شَذاها ما اِهتَديتُ لِحانِها*
*وَلَولا سَناها ما تَصَوَّرَها الوَهمُ*

فالحبيب هنا لا يُدرك بالمواجهة المباشرة، بل بأثره الذي يسبقه: عبق يهدي القلب إليه، ونور يتيح للخيال أن يتصوره دون أن يقتحمه. كأن الأثر يكفي أحيانًا، لأن اكتمال الحضور قد يبدد شيئًا مما كان للغياب من سحر.

وإذا كان الأثر يكفي عند ابن الفارض، فإن الذكرى وحدها تكفي عند جميل بثينة، الذي يقول:

*وَإِنّي لَتَعروني لِذِكراكِ رَوعَةٌ*
*لَها بَينَ جِلدي وَالعِظامِ دَبيبُ*

فالرعشة هنا لا تحتاج إلى لقاء؛ يكفيها الذكرى. وكأن المسافة لا تطفئ الشعور بالضرورة، بل قد تمنحه المساحة التي يحتاجها كي يبقى حيًا.

ثم يمضي المعنى خطوة أبعد، فلا يكتفي بالأثر ولا بالذكرى، بل يتحول الحجاب نفسه إلى وصال، كما يبلغ المعنى صورته الأشهر عند قيس بن الملوح:

*أَمُرُّ عَلى الدِّيارِ دِيارِ لَيلى*
*أُقَبِّلُ ذا الجِدارَ وَذا الجِدارا*

فحين يتعذر الوصول إلى الحبيب، يكفي أثره؛ وحين لا يكون الاقتراب ممكنًا، تصبح المسافة نفسها شكلًا من أشكال الوفاء.

وهنا تلتقي الحشمة بالشعر في أعمق مناطقها: ليس كل حجاب نقصًا في القرب؛ بعض الحجب هي التي تمنح الشعور فرصة لأن يتنفس. وليس كل ما لم يُقل شعورًا ناقصًا؛ فقد يكون الصمت أحيانًا هو الشكل الذي يحفظ للشعور كرامته وجماله.

رابعًا: غشاء القلوب

وهنا نعود إلى الاستعارة التي تمنح الحشمة اسمها الأعمق: غشاء القلوب.

إنه غشاء رقيق، لا يحجب قلبًا عن قلب، ولا يلغي ما بينهما من معرفة أو شعور، لكنه يحفظ للمسافة معناها، وللمكنون حرمته، وللعلاقة قدرتها على التنفس.

ولعل رهافة هذا الغشاء هي سر قيمته، وهي في الوقت نفسه مصدر هشاشته. يمكن اختراقه بكلمة عابرة، أو نظرة زائدة، أو إشارة لم يكن ينبغي لها أن تخترق المجال. وقد يكفي أحيانًا أن تُسمّى الأشياء التي كان جمالها في بقائها مضمرة، حتى يتغير شيء في العلاقة لا يعود إلى ما كان عليه بسهولة.

وهنا تكمن مفارقة الحشمة: أنها سهلة الانتهاك، صعبة الاسترداد. يمكن أن يهتكها إفصاح واحد، لكن استعادتها بعد التهتك تحتاج إلى زمن طويل، وربما لا تستعيد صورتها الأولى أبدًا. فما يعقب الاحتشام إذا انكسر قد يكون تهتكًا؛ انتقالًا إلى فضاء تصبح فيه الأشياء التي كانت مصونة مكشوفة، والمسافات التي كانت تحفظ العلاقة ملغاة.

لذلك لا تحتاج الحشمة إلى جدار صلب، بقدر ما تحتاج إلى يقظة القلب؛ لأن ما يحميها ليس المنع، وإنما وعي الإنسان بأن ثمة أشياء أجمل وهي في موضعها، وأكرم وهي مصونة، وأعمق وهي غير مكتملة الكشف.

خاتمة:

الحشمة، في أصفى معانيها، ليست انسحابًا من العلاقة ولا إنكارًا للشعور، وإنما هي الطريقة التي نحفظ بها للآخر حرمته ولأنفسنا رهافتها. إنها أن نعرف أن بين القلوب مسافات لا ينبغي اقتحامها، وأن بعض ما نشعر به يظل أجمل وأصدق ما دام محفوظًا في موضعه.

وتبقى تلك القماشة الرقيقة التي بدأنا بها، كأنها من نسيج الهواء، معلّقة بين كل قلبين: لا تحجب، بل تؤجل الاكتمال؛ لا تمنع القرب، بل تمنعه من أن يتحول إلى استباحة. وبين الإفصاح والاحتجاب، وبين المعرفة والصمت، يبقى غشاء القلوب ذلك الحاجز الرقيق الذي يجعل المحبة ممكنة، والعيش المشترك أكرم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى