مقالات واراء

تقييم دور لجان المقاومة وتجمع المهنيين خلال الفترة (2020–2024)

أحمد حسن محمد فضل

تمهيد
مثلت لجان المقاومة وتجمع المهنيين السودانيين الذراع الجماهيري والمهني للثورة السودانية. خرجوا من رحم الانتفاضة بلا موروث حزبي ولا دعم خارجي، لكنهم امتلكوا شرعية الشارع وطاقة الشباب. كانوا قوة رقابة وضغط، لكنهم واجهوا إشكالاً في الانتقال من الاحتجاج إلى المشاركة في بناء الدولة.

أولاً: الإنجازات والدور الإيجابي

إشعال الثورة وحمايتها
تجمع المهنيين السودانيين، عبر سكرتاريته وبياناته، وحد الحراك المهني وأعطى الثورة واجهة مهنية محترمة داخلياً وخارجياً. ولجان المقاومة كانت العمود الفقري لمواكب ديسمبر 2018، وحمت الثورة في محطات مفصلية مثل 6 أبريل، اعتصام القيادة، ومواكب ما بعد فض الاعتصام.

بناء شبكات خدمية أهلية
في ظل انهيار الخدمات، أنشأت اللجان نفير الأحياء، مطابخ التكايا، مبادرات توزيع الدواء والغاز، ورقابة على الأسواق. هذه التجربة كانت نموذجاً عملياً للحكم المحلي الشعبي.

الضغط للإصلاح والشفافية
عبر المذكرات والمواكب، دفعت اللجان والتجمع نحو إقالة مسؤولين فاسدين، وإلغاء قرارات اقتصادية مجحفة، والمطالبة بتكوين مفوضيات مستقلة. كانوا صوتاً رقابياً لا تستطيع الحكومة تجاهله.

تجديد الخطاب السياسي
كسرت لجان المقاومة احتكار الأحزاب التقليدية للخطاب السياسي، وطرحت مفاهيم اللامركزية، الرقابة الشعبية، والمحاسبة المجتمعية، وفتحت الباب أمام جيل جديد من العمل العام.

ثانياً: الإشكالات والجوانب السلبية

غياب التنظيم والتنسيق المركزي
اللامركزية كانت قوة في مرحلة الإسقاط، لكنها أصبحت نقطة ضعف بعد الثورة. تعدد اللجان وتشتت مواقفها أفقدها القدرة على صياغة رؤية موحدة للتفاوض أو للحكم.

الموقف المتردد من العمل السياسي المؤسسي
شعار “لا تفاوض لا شراكة لا شرعية” كان أداة رقابية فاعلة، لكنه تحول لعائق عندما تطلبت المرحلة الانتقالية مشاركة في صياغة السياسات من داخل الدولة. النتيجة كانت انسحاباً من المشهد الرسمي وترك الساحة فارغة.

تأثر تجمع المهنيين بالاستقطاب الحزبي
بعد دخول بعض قياداته للسلطة، فقد التجمع استقلاليته النسبية. انقسامه الداخلي أضعف صورته كجسم مهني جامع، وفقد جزءاً من ثقل الشارع.

ضعف البناء المؤسسي والتأهيل
التركيز على الحراك الميداني جاء على حساب بناء هياكل تنظيمية وتأهيل سياسي وإداري للكوادر، مما قلل من قدرتهم على إدارة ملفات الدولة عند إتاحة الفرصة.

ثالثاً: جذور الإشكال وسبل المعالجة

الجذر: التناقض بين شرعية الشارع وشرعية المؤسسات
الحل يكمن في خلق قنوات مؤسية تمثل اللجان داخل هياكل الحكم المحلي، عبر مجالس منتخبة في الأحياء والمحليات، تضمن استمرار الرقابة دون تعطيل العمل الحكومي.

الجذر: الخوف من إعادة إنتاج الأحزاب التقليدية
الحل ليس في رفض التنظيم، بل في ابتكار نموذج تنظيمي شبكي لامركزي يحافظ على استقلالية اللجان ويمنحها القدرة على اتخاذ قرارات جماعية ملزمة.

الجذر: غياب برامج بناء القدرات
الحل في إطلاق برامج تدريب في السياسات العامة، الإدارة المحلية، والتفاوض، لتأهيل كوادر اللجان للانتقال من الاحتجاج إلى الإدارة.

الخلاصة
لجان المقاومة وتجمع المهنيين كانوا ضمير الثورة ووقودها. نجاحهم في الإسقاط لا يقلل من حقيقة أنهم واجهوا صعوبة في مرحلة البناء.

الدرس المستفاد أن الثورة تحتاج لذراعين: ذراع احتجاج رقابي في الشارع، وذراع بناء مؤسسي داخل الدولة. التفريط في أي منهما يفضي إلى فراغ تملؤه قوى الردة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى