مقالات واراء

اما حكاية ! تنظيم الدولة الإسلامية… “نبتة” وهابية

إيهاب مادبو

“كيف ولد تنظيم “الدولة الإسلامية” المعروف بـ”داعش”؟ ومن الذي مهد الطريق لظهور هذا الكيان الدموي الذي ابتلع مدنا كاملة وحوّل الخراب إلى جغرافيا مفتوحة؟”.

هذا السؤال لا تبدو إجابته أقرب إلى التحليل السياسي التقليدي بقدر ما تشبه سيناريو طويلا كتب في كواليس الفوضى العربية؛ هناك حيث تتشابك أجهزة الاستخبارات مع الانقسامات الطائفية، وتلتقي المصالح الدولية بالاستبداد المحلي، فيتحول الإنسان إلى وقود دائم لحروب النفوذ.

لم يظهر تنظيم داعش فجأة من العدم، ولم يكن صاعقة هبطت على المنطقة بلا مطر او”برق” ،لقد كان نتيجة تراكمات ثقيلة امتدت لعقود، حروب أهلية، وانهيار دول، وقمع سياسي، وتهميش اجتماعي، إضافة إلى بيئة فكرية متشددة وجدت من يغذيها وينشرها ويوفر لها المناخ المناسب للنمو.

وفي قلب هذه الصورة المعقدة، يبرز الحديث عن الدور السعودي بوصفه جزءا من السياق الفكري والسياسي الذي ساهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إنتاج خطاب ديني متشدّد انتشر على نطاق واسع خلال العقود الماضية، مدعوما بالنفوذ المالي والدعوي الذي رافق الطفرة النفطية.

فعلى مدى سنوات طويلة، مولت السعودية آلاف المساجد والمراكز الدينية والمؤسسات الدعوية في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي، وروّجت لتفسير ديني شديد المحافظة يرى العالم بمنطق الانقسام العقائدي الحاد، ويغذي النظرة الإقصائية تجاه المختلف مذهبيا وفكريا.

ورغم أن الدولة السعودية نفسها خاضت لاحقا مواجهة مفتوحة مع تنظيمات مثل القاعدة وداعش، وتعرضت لعمليات إرهابية دامية، فإن ذلك لم يمنع استمرار الجدل حول أثر المناخ الفكري الوهابي الذي جرى تصديره لعقود، والذي وفر تربة ثقافية ونفسية ساعدت التنظيمات المتشددة على التجنيد والانتشار.

كما أن العلاقة التاريخية بين المؤسسة الدينية والسلطة السياسية داخل السعودية أسست لنموذج يقوم على تبادل الشرعية والنفوذ؛ سلطة دينية تمنح الغطاء الرمزي للحكم، مقابل مساحة واسعة للتأثير الاجتماعي والفكري،وفي ظل هذا التداخل، ترسخت خطابات دينية ذات طابع إقصائي ساهمت في تعميق الانقسامات الطائفية وتغذية ثقافة الكراهية.

فالوحوش لا تخلق في لحظة واحدة، بل تربى ببطء داخل بيئات مأزومة، وتتغذى على الخوف والظلم والكراهية وانسداد الأفق، إلى أن يحين الوقت الذي تخرج فيه لتلتهم الجميع بلا تمييز.

ولم يكن داعش سوى التعبير الأكثر دموية عن الانهيار العميق الذي أصاب النظام الإقليمي العربي، وعن الفشل المزمن في بناء دولة عادلة، ومجتمع متماسك، وخطاب ديني وإنساني قادر على مقاومة التطرف بدل إعادة إنتاجه.

وربما يكون الدرس الأهم الذي يجب أن تدركه المنطقة أن مواجهة الإرهاب لا تتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل تبدأ من إصلاح التعليم، وتجديد الخطاب الديني، وترسيخ دولة القانون، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وفتح المجال أمام المشاركة السياسية الحقيقية، لأن التطرف حين يجد الظلم والفوضى واليأس، فإنه دائمًا يعثر على طريقه للنمو.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى