مقالات واراء

السقوط المدوي لوكلاء الفوضى: “الإخوان” في السودان وإرث الإبادة تحت مقصلة التصنيف العالمي

بقلم: اسماعيل هجانة

الحكاية الأعمق من الحرب

تمثل الخطوات الدولية الحاسمة والمتسارعة، وتحديداً إعلان وزارة الخارجية الأمريكية عن تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان كـ “منظمة إرهابية عالمية” وإدراجها ضمن قوائم المنظمات الإرهابية الأجنبية بدءاً من 16 مارس 2026، نقطة تحول استراتيجي ومفصلي في تاريخ المنطقة. هذا التصنيف ليس مجرد إجراء قانوني أو مالي معزول، بل هو إعلان نهاية سياسية وفكرية لتنظيم جثم على صدر السودان لثلاثة عقود، مخلفاً وراءه تركة ثقيلة من الدم والدمار والتشظي المجتمعي. إن جرأة هذا التصنيف تكمن في كشفه الحاسم لحقيقة هذا التنظيم كفاعل مافيوي وإرهابي عابر للحدود، متجرداً من أي شرعية وطنية أو أخلاقية.
لقد اعتمد تنظيم الإخوان، منذ استيلائه على السلطة عبر انقلاب 1989، استراتيجية “الإرهاب الممنهج” كأداة وحيدة لإدارة الدولة وقمع المعارضين وترسيخ سلطته الشمولية. تجسد هذا النهج الإجرامي بوضوح في هندسة عمليات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في دارفور، حيث جند النظام ميليشيات محلية وسلحها، مطلقة العنان لها لترتكب أبشع الانتهاكات ضد مكونات عرقية محددة، مما أسفر عن مقتل مئات الآلاف وتشريد الملايين في مأساة إنسانية نادرة المثيل. هذا السجل الدموي الموثق دفع المجتمع الدولي ومجلس الأمن إلى إحالة ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي أصدرت مذكرات توقيف بحق رئيس الحركة الإسلامية عمر البشير وقادته بتهم جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم إبادة جماعية.
ولم يقتصر إجرام التنظيم على دارفور، بل امتد ليشمل مناطق النزاع الأخرى بأساليب وحشية ومحرمة دولياً. لقد وثقت التقارير الدولية هجمات باستخدام أسلحة كيميائية وغازات سامة استهدفت المدنيين في جبال النوبة، ودارفور، ولاحقاً في مناطق حضرية واسعة في ولايات الجزيرة، وسنار، والخرطوم. هذا التمادي في استخدام العنف غير المقيد يهدف إلى كسر إرادة الشعوب السودانية وإخضاعها بالقوة المفرطة، ضارباً بعرض الحائط كافة القوانين والأعراف الدولية والإنسانية.
لقد كانت الأيديولوجيا الإقصائية والاستعلائية للتنظيم سبباً مباشراً في تمزيق النسيج الاجتماعي السوداني ودفع البلاد نحو التشظي والانقسام. فمن خلال إضفاء طابع “جهادي” وعقائدياً على الحروب الأهلية وفرض رؤية ثقافية أحادية على مجتمع يتميز بالتنوع، دمر النظام كافة جسور الثقة بين مكونات الشعب. قاد هذا النهج التدميري إلى تضييق الآفاق أمام التعايش السلمي، مما أدى في نهاية المطاف إلى تصويت الجنوبيين بأغلبية ساحقة لصالح الانفصال في عام 2011، ليخسر السودان ثلث مساحته الجغرافية وجزءاً هائلاً من موارده الاقتصادية، في تضحية كبرى قُدمت على مذبح الأطماع السلطوية للتنظيم.
لقد تنبهت القوى الإقليمية والدولية الواعية لخطورة هذا التنظيم وتهديده للسلم والأمن، ومن هنا تأتي المساعي الإماراتية الحثيثة والرؤية الاستراتيجية الصارمة التي عملت على محاصرة الإرهابيين وتجفيف منابع تمويلهم. إن تضافر الجهود الإقليمية وتناغمها مع القرارات الأمريكية الحاسمة يمثل استجابة طبيعية للتوجه العالمي الرافض للتطرف. لقد ظللنا نحذر من هذه المآلات وعواقبها الوخيمة منذ وقت مبكر، مؤكدين باستمرار أن التمادي في العبث بأمن الأوطان واستقرار الشعوب سيقابل بحصار دولي شامل وعقاب رادع. اليوم، تتكشف الحقائق أمام الجميع، وتتحقق تلك التحذيرات واقعاً ملموساً يطوي صفحة سوداء من تاريخ التخريب والدمار.
وفي هذا السياق، يبرز الموقف الاستباقي والحازم لحكومة تحالف السودان التأسيسي، التي اتخذت خطوة وطنية شجاعة بتصنيف جماعة الإخوان تنظيماً إرهابياً وإصدار قانون مكافحة الإرهاب. لقد استند هذا القرار القوي إلى يقين مطلق ومعرفة دقيقة بحقيقة التنظيم العالمي وامتداداته المدمرة داخل السودان، وتحديداً أذرعه المسلحة المتغلغلة التي اختطفت المؤسسة العسكرية وأحالت حياة السودانيين إلى جحيم مستعر ومعاناة يومية قاسية. إن توافق القيادة الأمريكية اليوم مع ذات التصنيف يمثل شهادة إثبات قاطعة لصحة وعمق الموقف الاستراتيجي الوطني الذي تبناه تحالف السودان التأسيسي، ويؤكد أن قراءتنا لجذور الأزمة كانت دقيقة وواقعية.
لقد وصل تنظيم الإخوان في السودان اليوم إلى ذروة عزلته الدولية، وتواجه ميليشياته مثل “كتيبة البراء بن مالك” عقوبات أمريكية صارمة لممارساتها الإجرامية وتلقيها الدعم من الحرس الثوري الإيراني. إن هذا المسار الحازم يمثل الخيار الأصيل للشعوب السودانية التواقة للخير والسلام والعدالة والمساواة. خطوتنا تمثل التزاماً راسخاً بتعبيد الطريق نحو تأسيس دولة المواطنة الحقيقية التي تتسع لجميع السودانيين، وتطوي صفحات الإرهاب والدمار والتسلط إلى الأبد، فاتحة فصلاً جديداً من الحرية والسيادة الوطنية المبنية على إرادة الشعب وليس على فوهة البنادق والأيديولوجيات الإقصائية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى