تقارير وحوارات

تصريحات “العطا” حول الدمج تفجّر الخلافات داخل معسكر الحرب ببورتسودان

إدراك _ المحرر

أثارت التصريحات التي أدلى بها مساعد القائد العام للجيش، الفريق أول ركن ياسر العطا، حول دمج المليشيات التي تقاتل إلى جانب الجيش في ما يصفه تنظيم الإخوان المسلمين بـ”حرب الكرامة”، موجة واسعة من ردود الفعل داخل معسكر الحرب في بورتسودان.

وتباينت المواقف بين مؤيد للفكرة ورافض لها، في وقت كشفت فيه هذه الردود عن تصدعات واضحة داخل التحالف العسكري والسياسي الذي يقاتل إلى جانب الجيش. وبرزت الخلافات بشكل خاص بين ما تُعرف بـ”القوة المشتركة” التابعة لحركات دارفور المسلحة، والتي تحظى بنفوذ واسع داخل دوائر السلطة في بورتسودان، وتمتلك تشكيلات عسكرية متعددة الروابط والانتماءات.

ويرى مراقبون أن الطابع العشائري يمثل أحد أهم عناصر تماسك هذه الحركات، رغم اختلاف مرجعياتها السياسية والعسكرية.

“مراقبون: تصريحات العطا قد تمثل بداية إختبار لتحالف الحرب ببورتسودان”

رفض غير معلن من حركات دارفور

بدأت منصات إعلامية وأقلام محسوبة على “القوة المشتركة” في التعبير عن رفضها لخطوة الدمج، وإن لم يصدر موقف رسمي موحد حتى الآن.

السخرية من حديث تمبور

في المقابل، برز موقف مغاير من مجموعة مصطفى تمبور، التي يصفها بعض المحللين بأنها من المجموعات الصغيرة ضمن تحالف الحركات المسلحة، وتسعى قيادتها إلى التقرب من مراكز النفوذ في بورتسودان.

وقال تمبور، في منشور على صفحته في فيسبوك، إن حديث ياسر العطا حول دمج جميع المجموعات المسلحة داخل المنظومة الأمنية والعسكرية “قرار صائب بنسبة 100%”.وأضاف:”سنكون من أوائل المنفذين له، ولن نسمح بأي سلاح خارج سيطرة القوات المسلحة، وسنردع أي شخص يفكر في محاولة التمرد على الدولة مستقبلاً.”

لكن هذا الموقف قوبل بسخرية وانتقادات من منصات مقربة من “القوة المشتركة”، التي أعلنت صراحة رفضها لدمج قواتها في الجيش، متهمة تمبور بالخوض في أمور ليست من اختصاصه.وأكدت تلك المنصات أن أي عملية دمج لقواتها لا يمكن أن تتم إلا وفق مصفوفة اتفاق جوبا للسلام المتعلقة بالترتيبات الأمنية وعمليات الدمج والتسريح.

“تصريحات العطا احدثت تصدعات داخل التحالف العسكري لمعسكر بورتسودان”

تحالف مؤقت تحكمه المصالح

يصف مراقبون العلاقة بين حركات دارفور المسلحة وتنظيم الإخوان داخل معسكر بورتسودان بأنها أشبه بـ”زواج المتعة”، أي تحالف مؤقت تحكمه المصالح المشتركة حتى تحقيق هدف القضاء على قوات الدعم السريع.

وبحسب تقارير إعلامية سابقة، فإن هذا التحالف تضمن حصول بعض الحركات المسلحة على دعم مالي قُدِّر بنحو 75 مليون دولار، إضافة إلى احتفاظها بالمناصب الوزارية والمواقع الحكومية التي حصلت عليها عقب توقيع اتفاق جوبا.

ويرى محللون أن مشاركة هذه الحركات في الحرب جاءت في إطار معادلة السلطة والنفوذ أكثر من ارتباطها الفعلي بتنفيذ اتفاق جوبا، الذي انتهت فترته الزمنية دون تنفيذ كامل لبنوده الأساسية.

ردود حادة من قيادات حركات دارفور

أحد أبرز الردود جاء على لسان الكاتب أحمد آدم إسماعيل، وهو من الأقلام البارزة المقربة من حركات دارفور المسلحة، الذي انتقد تصريحات العطا بشدة.وكتب إسماعيل:

“خرج علينا الفريق أول ركن ياسر العطا بتصريح يتحدث فيه عن دمج القوات المساندة للجيش قريباً وبلا استثناء. ولأننا نؤمن بالوضوح في هذا الوقت الحرج، لا بد من تفكيك هذا الخطاب ووضعه أمام مرآة الحقيقة والميدان.”وأضاف أن توصيف هذه القوات بأنها “مساندة” غير دقيق، قائلاً:

“من تقصدهم ليسوا قوات مساندة أو توابع، بل هم القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح – مسار دارفور، وهي قوة نشأت بموجب اتفاقية جوبا للسلام ولها كيان قانوني وعسكري وسياسي سبق هذه الحرب بسنوات.”واعتبر إسماعيل أن الدعوة إلى الدمج في هذا التوقيت تثير تساؤلات مشروعة، متسائلاً:”أين كان هذا الحماس لتنفيذ الترتيبات الأمنية قبل اندلاع حرب 15 أبريل؟”وأشار إلى أن الأزمة الحقيقية، من وجهة نظره، ليست في تعدد الجيوش، بل في بنية المؤسسة العسكرية نفسها، مطالباً بإصلاح العقيدة العسكرية وإعادة هيكلة القيادة بما يعكس تمثيل كل السودانيين.

الدمج إمتصاص غضب المجتمع الدولي

في زاوية أخرى من النقاش، رأت الكاتبة الصحفية “صباح محمد الحسن” أن تصريحات العطا تأتي في سياق محاولة القيادة العسكرية امتصاص الضغوط الدولية.

وقالت في عمودها الصحفي “أطياف” إن:

“القيادة العسكرية توظف خطاب الدمج لتتلافى غضب المجتمع الدولي، حتى لا يتعامل بردة فعل مع خطاب التيار الإسلامي المتطرف.”وأضافت أن المؤسسة العسكرية تدرك أنها تواجه مخاوف مركبة، في ظل الحضور المتزايد للإسلاميين داخل معسكرها، وهو ما يفتح عليها ضغوطاً إقليمية ودولية متزايدة.

وترى الحسن أن الحديث عن توحيد القوات تحت مظلة الجيش قد يُفسَّر دولياً على أنه محاولة لإعادة تمكين الإسلاميين داخل المؤسسة العسكرية، عبر إدماج الكتائب التي تقاتل حالياً إلى جانب الجيش.

صدام محتمل مع الأجندة الدولية

وتحذر الحسن من أن هذا المسار قد يخلق صداماً بين أجندة الجيش الداخلية وأجندة المجتمع الدولي، الذي يركز في مقترحات التسوية السياسية على إعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية بعيداً عن نفوذ الإسلاميين المرتبطين بالنظام السابق.

كما قد يؤدي دمج بعض الكتائب المرتبطة بمحاور إقليمية، مثل إيران، إلى تعقيد الموقف الإقليمي، وفتح الباب أمام ضغوط أمريكية وخليجية في المستقبل.

وبحسب هذا التحليل، يقف الجيش أمام خيارين صعبين:

إما الالتزام بالمعايير الدولية وإبعاد الإسلاميين عن المؤسسة العسكرية، أو فرض واقع جديد عبر دمجهم، وهو ما قد يؤدي إلى تعقيد وضعه الدولي أكثر.

“مراقبون يصفون العلاقة ببن الحركات المسلحة والإخوان بزواج المتعة”

تحالف هش يقترب من نقطة الإنفجار

في ظل هذا المشهد المشحون بالصراعات والتباينات، يرى مراقبون أن تصريحات ياسر العطا قد تمثل بداية اختبار حقيقي لتحالف معسكر الحرب في بورتسودان.

ويصف بعضهم هذا التحالف بأنه هش، تحكمه الضرورات العسكرية أكثر مما تجمعه رؤية سياسية موحدة، ما يجعل أي خطوة تمس موازين القوة داخله كفيلة بإشعال خلافات واسعة بين أطرافه.

وبين ضغوط الحرب وتعقيدات السياسة، يبدو أن معسكر بورتسودان يواجه اختباراً جديداً قد يكشف حدود التماسك داخل هذا التحالف الذي وصفه بعض المراقبين بأنه “أوهن من خيط العنكبوت”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى