مقالات واراء

.حواراتي مع د. ناهد محمد الحسن الأخيرة (وربما قد نعود)

مهند زامل

قبل استئناف حوارنا، في مسالة مهمة لازم أعيد توضيحها، انو انا ما بتحاور مع د. ناهد في ذاتها. وذلك مثلما فعلت هي عندما وجهت تساؤلاتها إلى د. ابكر ادم اسماعيل، والتي لم تكن شخصية.
د. ناهد محمد الحسن واحدة من المحاربات العظيمات اللواتي قاتلن بشجاعة ضد الأساطير المؤسسة للثقافة الذكورية في السودان. و مشروعها جزء من مشروع التحرر الوطني الكبير، و الذي لا ينفصل من مشروع الدولة الوطنية التي تؤمن بمبادئ الحرية و العدالة والمساواة. فهي رفيقة نضال بمعنى الكلمة.
ثم أننا لا نمثل مثقفين الهامش لوحده
و إنما نمثل المثقفين السودانيين الوطنيين الأحرار الذين لم يتواروا خلف ظل الدولة، عندما أتت اللحظات المفصلية الحرجة في تاريخها، أنا حديثي موجه إلى الذين فعلت الحرب بهم أفاعيلها، وغيرت وجوه اقرب الذين كنا نتعشم في ان يكونوا سنداً لمشروع الدولة الوطنية. أتمنى ان لا يلبسك هذا التوب، الذي خلق قيم زائفة لمحاكمة المثقفين وفق إطار نظري افتراضي في أحيان كثيرة لا يخلو من عملية التحامل، و سوء التقدير لتداعيات الواقع المعقدة.
نحن هنا لسنا بصدد منح أو نزع شرعية رمزية من احد، فالشرعية تمنحها مبادي الحرية و العدالة و المساواة. اما خطابي فهو موجه الي أولئك الذين حاول المخيال العلمي الوسطي بأستمرار للسعي من وراء توطين نزعة “الدولوية” في أخيلتهم ليضع قانون زجاجي، يحاول تكراراً منعهم من القبول بالقضايا المصيرية و إعادة هيكلة الدولة، في اروقة المحاولات المتكررة لإيجاد طريق يقود إلى التسوية التاريخية للنزاع.
الدولة العنيفة لا تبرر العنف المفتوح ؟
(نحن نقاتل لكي نبني وطن لا يقتل فيه احد و قبلنا بان نكون مجرمين لكي تمتلئ الأرض من بعدنا بالابرياء). وان هدف بندقية الكفاح الوطني هو ليس قتل العدو، و انما تجريده من السلاح و ايصاله مرحلة الاستسلام. هكذا ظل دائماً د. جون يردد هذه المقولات الخالدة، والتي يفترض بها ان تكون المبادي الراسخة للكفاح الوطني. لذلك لا يجب ان يكون هناك عنف مفتوح، ولا يوجد مشروع ثورة وتغيير حقيقي يبرر للعنف المطلق، وتحالف السودان التأسيسي عبر دستور السودان الانتقالي لسنة 2025 قد وضع ضوابط و اليات للمحاسبة و المسألة، فقط التحدي يكمن في سير التنفيذ، و ذلك ليس ارضأءً او تظاهرة شوفونية، بل قناعة راسخة وإيمان بمشروع العدالة و المساواة للجميع.
في احدي اسلئة د. ناهد المتكررة عن حماية المدنيين و كيفية التحكم في البندقية و ضمان مبداء المحاسبة والعدالة. في الأساس هذا ليس تسأؤل و انما هي بنية مشروع السودان الجديد التي خاطبت التركيبة التاريخية المختلة للدولة السودانية والتي من ابرز سماتها عدم المحاسبة و غياب مشروع العدالة بأكمله. الحقيقة المطلقة التي استعصي المخيال النخبوي تصورها، ان قوات بحجم قوات الدعم السريع تنحاز الي مشروع الثورة والتغيير. إذ نعلم جميعاً تخوف النخب من التغيير الجذري في بنية الدولة وذلك هو العمق الفكري “لمفهوم الثورة”. اذ ظلت طوال عقود تعمل علي تغويض إرادة الجماهير وسرقة ثوراتهم. وهنا بمجرد ظهور قوات أي كانت تشكيلتها، بمجرد انحيازها للحكم المدني الديمقراطي، تكون قد وضعت نفسها امام الترسانة “الدولوية” التي بأمكانها أن تفعل جميع ما بوسعها و تستخدم كل الوسائل لتنميطها في موضع الأجرمة.
نحن صراعنا ليس مع أدوات الدولة التي ظلت تستخدمها منذ الازل لتصفية خصومها و فرض هيبتها في الأرياف المترامية، لان الأدوات انفسهم ضحايا للسياسات الممنهجة و التي من افرازاتها كائنات يمكن استخدامها لقتل ذاتها!
الأساس في الموضوع ان حركة العدالة و المحاسبة الجنائية هي حركة فكرية مفاهمية ترتبط برؤية و مشروع يرسخان لهذه المبادي، و هذا الذي يفترض ان يتقدم الدعم السريع فيه خطوات.
كره الذات:-
في محاولة وصفي للحالة النفسية للجندي ابن الهامش الذي يرتكب الفظائع ضد مجتمعه، بأعتباره جزء من الدولة. استخدمت وصف “كره الذات” كمحاولة لايجاد أجوبة، كيف لانسان سوي ان يقوم بأرتكاب جرائم ضد اهله؟ يأتي الوصف هنا كنموذج لتماهي بنية فردية متناقضة مع بنية كلية مكتملة تمثلها الدولة بمشروعها الذي يحتضن العنف المؤدلج، ليعيد انتاج البنية الفردية المتناقضة داخل الحقل الايدويوجلي للدولة، وهنا ينمو لدي البنية الفردية شعور خفي بانها جزء من الحقل الكلي للدولة، و تحاول دائماً ان تعزز هذا الشعور بولاءها المطلق، و لان بنية الدولة المركزية ترى في المجتماعات الريفية عموماً بانهم أعداء، سوي كانوا آنيين او محتملين، لذلك تحاربهم بكل الوسائل و أولها الخطاب الذي يصورهم بانهم كائنات بدائية اقل إنسانية وان إزلالهم و الحط من قدرهم، هو التعامل الطبيعي الذي يجب أن يكون معهم. من واقع تجربتي الشخصية مع اسري القوات المسلحة لدي الجيش الشعبي لتحرير السودان، ان جميعهم يزَجّون بهم بخطاب مضلل من جميع مستوياته، السياسية و الأمنية و الثقافية و الأهم الدينية، لذلك عندما يقعوا في الاسر تجدهم مذهولون لما يرونه دحضاً لذلك الزيف الذي ظل يسيطر علي عقولهم لسنوات. قد نتفق بان تفسير العنف بشكل مطلق لا يمكن ان نختزله في كره الذات، و لكن قد نختلف في ماهية البنية التنظيمية التي تنتج العنف و التي اراها انا، هي البنية الفوقية للدولة المركزية. بينما القوي المسلحة الخارجة عن نطاق هذه البنية، فهي مقاومة طبيعية لتلك المجتمعات بدافع “الحماية الذاتية”. والتخوف هنا يفترض ان يأتي فقط في حالة غياب الرؤية والمشروع، وذلك عندما يغيب مشروع التحرر تتحول تلك الاجسام الي اجسام مطلبية. و هنا نجدها قد تحولت الى فريسة في فم الغول المتربص (الدولة)، لتصبح اكثر ضرراً و إعاقة لمشروع التحرر الوطني. وذلك مع احترامي الي راي د. ناهد عندما تحاول ان تمزج بين المنظورين السياسي و النفسي لتركيبة البنية التنظيمية التي تنتج العنف.
السلاح و تأثيره علي الفرد ؟
لا شك في ان السلاح له تأثير مباشر علي شخصية الفرد، و خصوصاً عندما يكون حامله غير مستوفي شروطه.
في النُظم التحررية اول محاضرة ياخذها المقاتل عند التسليح (هي ان اكبر عدو للثوري هو سلاحه، وذلك عندما يتم استخدامه في الزمان والمكان الخطاءين)، ثم ان السلاح يتحول الي هوية فردية لحامله في حال غياب الرؤية و الأهداف التي من اجلها حمل السلاح . وهنا يأتي دور المثقف الوطني التحرري في منتجّة الخطاب، لترسيخ قيم الانضباط الصارم، و الالتزام بالرؤية و الأهداف المنشودة، و استشعار الاخطار المحتملة، هذه هي الأدوار التي يجب على المثقفين الوطنيين القيام بها.
وهذا يقودنا الي المغالطة الكبرى حينما اشارت د. ناهد بان (كابرال، وفانون وباتريس لوممبا، قاتلوا ضد استعمار واضح)!! وهذا حديث يدعو للتعجب! ويستدعي السؤال المباشر، الا تري د. ناهد ان الدولة القائمة في سودان ما بعد الاستعمار هي تركة استعمارية فوق وطنية، يجب تفكيكها؟ او احتمال انها ترأها دولة وطنية تحتاج الي بعض الإصلاحات؟ او ربما تشّوش لديها فهم أنساق الجذور التاريخية للمشكلة في السودان. و أنا لا اعتقد ذلك. لأن اختلاف الرؤى حول ماهية القضايا المصيرية، اختلاف قديم متجدد.
إلا ان بعد حرب ١٥ أبريل تحول الي “خلاف” مستعصي انحدر نحو خطاب الكراهية. و محاولة شرعنة جرائم الجيش و كتائبه الأرهابية باعتبار أنها الدولة.
ان خطاب النخب وعلي الدوام اعتمد علي أسلوب المراوغة وإضاعت الوقت، خشيتاً من الاعتراف بمشكلة الدولة في السودان. وهذا ما دعانا لوصفها بانها نخب وسطية شمالية وضعت نفسها في مكان الفئة غير المستفيدة من التغيير، وظلت تعمل لعقود طويلة خلف الانظار لتمنح تلك الشرعية الرمزية الزائفة لدولة الفصل العنصري.
وأخيرا المظلومية و خطاب التجريد:-
هنالك إقرار شبه إجماعي من المثقفين الوسطيين و النيليين حول ما يسمي بمظالم الهامش! اخطر ما في هذا الخطاب هو استبطانه لفكرة التجريد من الحق الوطني و تصويره لانسان ما يسمي بالهامش و كانه متسول داخل وطنه! و محاولة تنميطه علي ذلك. وهذا الخطاب يغض الطرف عن التركيبة التاريخية المختلّة التي أسست لهذه الوضعية التي أنتجت التهميش و المواطنة من الدرجة الثانية. كما أنتجت في الوقت ذاته خطاب مقاومة علي المستويين السياسي والعسكري. علي الجانب السياسي أنتجت خطاب مقاومة ظل “يلف ويدور” حول انتاج مشروع وطني يوحد السودانيين . أما علي المستوى العسكري أنتجت ايضا هذا الخطاب المطلبي الخانع الذي ظل خنجراً مسوما على خاصرة مشروع الكفاح الوطني المسلح. السؤال الموضوعي هنا، هل لنا بأن نسمح باستمرار هذه البنية المختلّة التي تمثلها الدولة؟ أم علينا التوافق حول مشروع التحرر الوطني الذي يضع بذور السلام المستدام. واجبنا الوطني يحتم علينا مواجهة البنية المركزية المختلة و تفكيكها. تلك التي أنتجت هذا الخطاب المطلبي الذي لا يشبه أخطّبت التحرر الوطني. ان خطاب السودان الجديد الذي نحاول ان نبنيه هو خطاب صادق ناتج من حقائق الواقع بشقيه التأريخي و المعاصر، و نعلم جميعا تحديات الواقع المعقدة. و هذا لا يثنينا عن القيام بدورنا الطليعي كمثقفين عضويين تجاه اوطاننا.
و خصوصًا في مثل هكذا مواقف…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى