مقالات واراء

الهدنة التكتيكية في السودان: واقع الحرب ومستقبل وقف إطلاق النار

الكاتب: آدم الحاج عبدالله عبدالرحمن أديب

هل تقود الهدنة التكتيكية إلى وقف إطلاق النار؟

تتجدد الدعوات الإقليمية والدولية لفرض هدنة إنسانية أو تكتيكية في السودان، وسط حرب مفتوحة دخلت عامها الثالث دون أفق واضح للحسم أو التسوية. السؤال الجوهري لم يعد: هل نحتاج إلى هدنة؟، بل: هل تسمح بنية الصراع وسلوك أطرافه وتوازنات داعميه بتحويل الهدنة إلى وقف إطلاق نار حقيقي؟
للإجابة، لا بد من قراءة المشهد دون مواربة سياسية، والاعتراف بجملة من الحقائق التي جرى القفز عليها في كثير من التحليلات.
الهدنة التكتيكية: أداة سياسية أم استحقاق إنساني؟
الهدن المطروحة ليست نتاج نضج عسكري أو إرادة متبادلة لوقف الحرب، بل غالبًا تُطرح:
تحت ضغط الكارثة الإنسانية،
أو كاستجابة لحسابات دولية مؤقتة،
أو لإعادة التموضع العسكري لطرف بعينه.
التجربة العملية منذ اندلاع الحرب تؤكد أن الهدن لم تُخترق بشكل متكافئ، بل إن الطرف الأكثر تعنتًا تجاه وقف إطلاق النار أو الانتقال من هدنة إلى مسار سياسي هو الجيش السوداني، لا قوات الدعم السريع، التي أعلنت قبولها المتكرر بوقف شامل وغير مشروط.
من يعرقل وقف إطلاق النار؟
الواقع الميداني والسياسي يشير إلى:
رفض الجيش الالتزام بترتيبات أمنية، أو الانخراط الجاد في مفاوضات تقود إلى وقف شامل للحرب،
استخدام الهدن كغطاء سياسي أو لإعادة ترتيب المواقف،
في المقابل، لم تتعرض قوات الدعم السريع إلى تعنت مماثل، بل رحبت بالوقف الشامل.
هذا يعكس أن أي فشل في تطبيق الهدنة ليس نتيجة تصرف متكافئ للطرفين، بل هو في جوهره سلوك عسكري–سياسي للجيش.
من يسيطر على قرار الجيش؟
الجيش السوداني منذ انقلاب 25 أكتوبر وما بعده ليس مؤسسة وطنية مستقلة القرار، بل واقع تحت تأثير مباشر للحركة الإسلامية، التي تستخدم الحرب كـ كرت ضغط للعودة إلى المشهد السياسي بعد أن عزلتها ثورة ديسمبر شعبيًا وأخلاقيًا.
الحركة الإسلامية ترى في استمرار الحرب فرصة لإعادة إنتاج ذاتها، وتدفع باتجاه إفشال أي تسوية سياسية تُفضي إلى سلطة مدنية، مستغلة خطاب “المعركة الوجودية” لإطالة أمد النزاع.
وهم الحكومة السودانية وحقيقة سلطة بورتسودان
من غير الدقيق الإشارة إلى سلطة بورتسودان بوصفها “الحكومة السودانية”.
هذه السلطة فاقدة للشرعية: لا تستند إلى تفويض شعبي، ولا إلى عملية انتقالية، ولا إلى اعتراف وطني جامع بعد اندلاع الحرب.
هي سلطة أمر واقع، نشأت في سياق الحرب، وتعيش عليها.
وأي مقاربة سياسية تبدأ من الاعتراف بها كحكومة شرعية، تؤسس لتحليل مختل وتُبرر استمرار الحرب.
الرباعية: تحالف مصالح لا رؤية مشتركة
تضم الرباعية: الولايات المتحدة، مصر، السعودية، الإمارات.
ورغم الخطاب الموحد ظاهريًا، إلا أنها ليست متحالفة استراتيجيًا حول مستقبل السودان، بل تعمل ضمن تنسيق تكتيكي هش تحكمه المصالح الخاصة:
الإمارات: تُعتبر داعمًا لقوات الدعم السريع، سواء بشكل مباشر أو عبر شبكات مصالح إقليمية.
مصر: طرف داعم للجيش السوداني، انطلاقًا من اعتبارات أمن قومي ورغبة في الحفاظ على نموذج الدولة العسكرية المركزية.
هذا الانحياز المتبادل يُفقد الرباعية حيادها، ويحوّل دورها من وسيط إلى مدير أزمة لا صانع حل.
خاتمة: إلى أين تمضي الهدنة؟
الهدنة التكتيكية لن تؤدي تلقائيًا إلى وقف إطلاق النار ما دام:
الجيش يدار سياسيًا من قبل الحركة الإسلامية،
وسلطة بورتسودان فاقدة للشرعية،
والداعمون الإقليميون يمارسون سياسة الكيل بمكيالين.
السلام في السودان لن يكون نتاج هدنة إنسانية، بل نتيجة:
كسر احتكار القرار العسكري،
إخراج الإسلاميين من معادلة الحرب،
وبناء مسار سياسي مدني جديد لا يعيد إنتاج ما قبل ديسمبر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى