مقالات واراء

اما حكاية! التصريحات المصرية بين الاحتلال وخرق السيادة

إيهاب مادبو

لا يمكن قراءة التصريحات والمواقف المصرية الأخيرة بالشأن السوداني، بمعزل عن السياق الأوسع لطبيعة الدولة المصرية نفسها ودورها الإقليمي.

فمصر، بوصفها دولة (محتلة) لاراضي سودانية تفتقد من حيث المبدأ والأخلاق السياسية لأي مشروعية تخول لها تقديم “نصائح” أو فرض وصاية على شعب آخر يسعى لتقرير مصيره.

وإن أي تصريح مصري حول السودان، سواء جاء في ثوب الوساطة أو الحرص المزعوم على الاستقرار، لا يخرج في جوهره عن كونه تدخلاً سافرًا في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة.

وهو تدخل يتناقض صراحة مع قواعد القانون الدولي، وعلى رأسها مبدأ عدم التدخل، واحترام سيادة الدول، وحق الشعوب في اختيار مسارها السياسي دون إملاءات خارجية.

السودان اليوم يمر بأزمة عميقة، جذورها داخلية، وتتطلب حلولًا سودانية خالصة، تقوم على تفكيك بنية الاستبداد والعسكرة وبناء سلطة مدنية تعبّر عن تطلعات الشعب.

غير أن القاهرة دأبت، تاريخيًا وحديثًا، على دعم قوى بعينها داخل السودان، غالبًا تلك المرتبطة بالمؤسسة العسكرية أو المصالح الأمنية، بما يعيد إنتاج الأزمة بدل المساهمة في حلها.

هذا السلوك لا يمكن فصله عن رؤية النظام المصري للأمن القومي، وهي رؤية ضيقة تختزل أمن المنطقة في بقاء الأنظمة العسكرية المتشابهة، حتى وإن كان ذلك على حساب استقرار الشعوب وحقوقها.

ومن هنا يصبح السودان، في نظر القاهرة، ساحة نفوذ لا دولة مستقلة، وشعبه طرفًا ثانويًا أمام حسابات الجغرافيا السياسية والمياه والحدود.

والأخطر من ذلك أن هذا التدخل يُمارس غالبًا بلغة الوصاية، وكأن السودان تابع سياسيًا أو تاريخيًا، وهي لغة تعكس عقلية استعمارية مرفوضة، وتتجاهل التحولات العميقة في الوعي السياسي السوداني، والتضحيات الجسيمة التي قدمها شعبه في سبيل التحرر والإنعتاق.

إن احترام السودان يبدأ بالاعتراف الكامل بسيادته، والكف عن التدخل في خياراته السياسية، وترك مسافة واضحة بين المصالح المشروعة لأي دولة وبين محاولات فرض الإرادة أو توجيه المسارات الداخلية.

وما عدا ذلك، سيظل يُنظر إليه باعتباره تدخلًا غير مشروع، ومصدرًا إضافيًا لعدم الاستقرار، ذلك لأن مستقبل السودان لن يُصنع في القاهرة ولا في غيرها من العواصم، بل في مدن السودان وقراه، وبإرادة شعبه وحده. وأي محاولة للالتفاف على هذه الحقيقة، مهما تلونت بالخطاب الدبلوماسي، ستبقى مرفوضة سياسيًا شعبيًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى