
ولعل أسوأ أنواع التجارة هي تجارة الأزمات، ففي المآسي هناك مستفيدون وتجار، كما هو الحال في الحروب، تظهر الفئات المستفيدة من استغلال نتائج الحروب سلبية كانت أو إيجابية، الحال ذاته في الأزمات البشرية.
عانت مدينة كادوقلي، من هؤلاء التجار الذين “يتبضعون” في معاناة المواطنين، فهم لايختلفون في أطماعهم عن تجار السلاح، فالمهم عندهم هو تحقيق المكاسب حتى لو كان الثمن هو أرواح المواطنين.
وفي عام “1658”، خلص الفيلسوف الفرنسي “بليز باسكال” إلى أن البشر هم “مجد هذا الكون وغثاؤه وحثالته كذلك”. هذا التوصيف يتطابق تماماً مع مصاصي الدماء الذين سوف اتناولهم في هذا المقال لأكشف لمواطن كادوقلي المتسبب الفعلي في معاناته والآمه.
وكادوقلي تُمثل “سويبة” الغلال لما تكتنزه ارضها “البكر” من خيرات عبرت عنها تلك “الجباريك” التي تجاور بيوتات المدينة وتتقاسم معهم الحياة.
والحرب لم تكون مسوغاً لتعليق “فشل” السلطات في “تش” المرض “العضال” بمساويك العرد، وهو مايشبه ذلك المرض الذي كان يصيبنا في مرحلة الطفولة، وقام العقل الشعبي بتشخيصه علي إنها”ام شقوق” ، مما يستدعي علاجها تدخلاً بـ”الكي” بالزيت المغلي في النار علي “الدبر”.
تحدثني مصادر موثوقة من كادوقلي، إن قادة عسكريين مثل العقيد فتح الرحمن بالفرقة (14) مشاه، والعميد “كلي” باللواء (55)، بجانب ابن زعيم المليشيا عبدالرحمن كافي الطيار هم “تجار الموت” بالتبضع في مأساة إنسان المدينة.
وخلال الحرب الاخيرة قفز إسم التاجر منيب يسن، وهو قبل الحرب كان يتاجر في “البصل”، واستغل هؤلاء القادة الحرب في التجارة وإحتكار السوق، فقاموا بمنح “يسن” بعض الشاحنات “الجامبو”، عليها لوحات مدينة، للقيام بتوريد بضائع من كوستي لكادوقلي، مع توفير كافة الحماية له.
وبالفعل نشط التاجر “منيب” في نقل البضائع وهو في الاساس يقوم بنقل المؤن الغذائية للجيش، بإستغلال الضائقة المعيشية، ويقوم العقيد فتح الرحمن بتخزين تلك البضائع بمخازن الجيش بالفرقة (14).
وخلال شهور اصبح السوق كاشفاً من المواد الغذائية، واستطاع القاتل “منيب” الذي جاء لكادوقلي ليستثمر في ازمات المواطنين، صار إسماً ورقماً كبيرا، واصبح متحكماً في سوق كادوقلي ، بل إنه صار حاكما بامر الإستخبارات وقادة المليشيات بكادوقلي.
ولكي يتمكن “منيب” من قبضته علي السوق قاموا بتهيئة الرآي العام ضد المنظمات الإنسانية، التي كانت تقدم المساعدات الإنسانية لدرجة إنها حولت كافة انشطتها للدعم المباشر للمواطن، فكانت تقوم بتقديم دعماً نقدياً وعينيا للاسر عبر تطبيق “بنكك”، وعبر وضع مبلغ مالي لبعض التجار يقوم بصرفه للاسر في شكل مواد غذائية.
استخدموا في هذه الحملة زعيم المليشيا كافي الطيار، بإستخدام منابر المساجد علي التحريض ضد هذه المنظمات، بل إنه لم يكتفي بذلك وقام بحجز سيارات تتبع للمجلس النيرويجي، كانت في مهمة إنسانية.
ثم اجهزت الحكومة علي المنظمات، بقرار معيب من العون الإنساني، قضي بطرد وإيقاف حوالي الـ”ثلاثين”، من المنظمات الدولية بجانب وكالات للامم المتحدة وبعض من المنظمات الوطنية.
بعدها ارتفعت المواد الغذائية بدرجة جنونية، وازدادت معاناة المواطنين في الحصول علي المواد الغذائية ط، في ظل شح للسيولة النقدية.
واصبح المواطنين، يتقاسمون نبتة “خديجة كورو” والـ”كول”، مع البهائم وهي نباتات عشبية ذات سميات عالية علي صحة الإنسان، وهناك تحت شجرة “حجير” يجبس كل من التاجر منيب والعقيد فتح الرحمن بعد ارتشاف آخر فنجان للقهوة وهم يابذذون بحال الاطفال الذين يتقافزون علي براميل القمامة.
وحينما اشتدت المعاناة ، قامت السلطات بعقد إجتماع مع الغرفة التجارية، والتي ظهر فيها لاول مرة اسم لتجار يدعي “كِبر”، الذي يتاجر في بيع الاوهام للناس، وقررت اللجنة فتح مخازن الجيش بعد ان انكشف السوق من الذرة تماما.
فتم وضع تسعيرة للملوة بمبلغ “11” الف جنيه للأسرة، تستخدم ك”بليلة” لعدم توفر مبلغ “الطحين” والملاح، وتكمن معاناة المواطنين هنا في الصفوف الطويلة منذ الصباح الباكر يصطف المواطنون في صفوف تصل الي الآلاف بإنتظار ان ينتهي هؤلاء من “ونسة” القهوة الصباحية.
ونتيجة لذلك، اصبح الحصول علي ملوة الذرة حلماً كمن ينتظر ليلة القدر ان تتنزل عليه، فيغفل بعضهم راجعا وهو يجرجر خيبات السلطة وعسف المسؤولين وموت الإنسانية.


