
بعد إعلان تحالف تأسيس عن ميلاد السودان التأسيسي، بدا واضحاً أن ما حدث لم يكن مجرد تطور سياسي أو بيان عابر ضمن صراعات الفعل السوداني، بل يمثل لحظة زلزالية استثنائية لذهنية ما يعرف ب”أولاد الدولة”. فهؤلاء وبوصفهم أبناء المؤسسات المتجذرة في دولة ما بعد الاستعمار، تلقوا الإعلان كصدمة وجودية، لأنهم يدركون في أعماقهم أن هذه الدولة التي وروثها من المستعمر لم تكن مجرد بنية إدارية، بل كانت كياناً أيديولوجياً أنتجهم وأعاد إنتاجهم ليكونوا مواطنين مطيعيين، وفق منطق الهيمنة الذي تحدث عنه الفيلسوف الفرنسي لوي ألتوسير.
في تنظيره الشهير عن مفهوم الأيديولوجيا يرى ألتوسير أن الدولة لا تبسط سلطتها واخضاعها للافراد فقط من خلال أجهزتها القمعية “كالجيش والشرطة”، بل وبشكل أكثر رسوخاً عبر ما سماه (أجهزة الدولة الأيديولوجية)، مثل المدرسة، الجامعات، وسائل الإعلام، المؤسسات الدينية، والأحزاب السياسية. تقوم هذه الأجهزة بإعادة إنتاج الأفراد على نحو يجعلهم يُسلمون بمشروعية الدولة ويعاد تشكيل وعيهم ليخدم مصالحها. المدرسة، على سبيل المثال، لا تدرس فقط المعرفة، بل تزرع قيماً وتطبع وعي الطلاب على طاعة النظام القائم، وتُكرس صورة الدولة ككيان مقدس لا يجوز المساس به.
وبناءً على هذا الفهم، يمكننا إدراك لماذا ظلت دولة 56 صامدة كل هذا الزمن، رغم تعدد التمردات المسلحة والثورات الجماهيرية. لقد تعاملت الدولة مع الحركات المسلحة بأسلوب تفاوضي تكتيكي، فيما واجهت الثورات الشعبية بالإجهاض الناعم ، لأنها كانت تدرك أن قادة تلك الحركات والثورات هم، في الأغلب، نتاج خالص لأجهزتها الأيديولوجية، وبالتالي لا يملكون الوعي الكامل ولا الإرادة القاطعة لتفكيك الدولة ذاتها. لقد خضعوا لنفس أجهزتها الايدلوجية، وتشربوا نفس سرديات الوطنية الزائفة، ونظروا إلى الدولة كحقيقة مطلقة لا تمس.
لكن ما لم تحسب له الدولة حساباً، هو ظهور فاعل جديد خارج شبكتها الأيديولوجية القائد محمد حمدان دقلو (حميدتي). ما يميز حميدتي ومعظم جنود وقادة قوات الدعم السريع ليس فقط أنهم نشأوا في هوامش البلاد والارياف والبوادي، بل أنهم نشأوا خارج مجال أجهزة الدولة الأيديولوجية. لم يكملوا تعليمهم في مدارسها وجامعاتها، ولم يمروا عبر فلاترها الثقافية والسياسية والدينية، ولم يتشكل وعيهم تحت سقف خطابها المركزي. إنهم أبناء مجتمعات الرعاة والريف والمهمشين، الذين يعيشون خارج أسوار الدولة الايدلوجية.
ولهذا، فإن إعلان تحالف تأسيس بقيادة هذا التيار المنسي يعد وفق المنظور الألتوسيري لحظة نادرة في تاريخ السودان لحظة تصادم بين وعي خارج أيديولوجيا الدولة، ووعي مأسور داخلها. إنه تشييع حقيقي لدولة 56 وإعلان عن دولة جديدة لا تعترف بالأساطير التي شيدتها الدولة القديمة. ومن هنا نفهم الصدمة العنيفة التي أصابت “أولاد الدولة”، فهم لا يخشون فقط فقدان الامتيازات، بل يخشون زوال المعنى ذاته، لأن سقوط الدولة يعني سقوط الذات التي أنتجتها.
غير أن صدمة “أولاد الدولة” لم تكن حكراً على القابضين على السلطة فحسب، بل انسحبت أيضاً على قطاع واسع من المثقفين المدنيين، قاطني وسط الخرطوم والمدن العتيقة التي بناها المستعمر، الذين يحتكرون الوعي ويدعون امتلاك مفاتيح التغيير. إنهم أولئك الذين يتداولون عبارات من قبيل “الشعب دا جاهل” و”نحتاج إلى ثورة مفاهيمية أولاً”. هؤلاء الذين يسخرون من الإنسان في الريف والبادية من لهجته ولباسه وتقاليده، ويتعاملون مع البادية وكأنها جيولوجيا من الجهل لا جدوى منها.
هم أيضاً وإن بدت شعاراتهم ثورية فهي نتاج لأجهزة الدولة الأيديولوجية،. حتى من يدعون الانتماء إلى اليسار لا يعرفون شيئاً عن الطبقات المسحوقة التي يتغنون بها، بل قد تنحصر علاقتهم بالطبقات المهمشة في شعارات طبعت في مؤتمرات مغلقة أو جدليات لا تغادر أسوار الجامعات ودور احزابهم
وفي هذا السياق، يبدو أن خطابهم في جوهره ليس سوى صورة أخرى من صور إعادة إنتاج الهيمنة الأيديولوجية، حتى وإنْ كان يحمل لافتة الثورة. وكما قال نيتشه ساخرا “المؤخرة الثقيلة خطأ في حق العقل” تلك المؤخرة التي ترمز هنا لا لثقل الجسد، بل لثقل الامتيازات، والإخضاع، وكسل الضمير.
وما لا يدركه هؤلاء هو أن الشعوب لا تعاد صياغتها بالتنظير وحده، ولا تُنجز التغيير بالهروب من الواقع إلى المجازات. فالرجل العظيم الذي سيعيد صياغة السودان لن يخرج من الندوات، بل من صميم التجربة ومن رحم المعاناة، من الاحتكاك بالحياة، من الألم، من الشقاء، من ذلك الشعب الذي يسخرون منه، بينما هو في الحقيقة نتاج بنية دولة فاشلة لم توفر له لا أمن لا خبز ولا كرامة. وها قد أتى الوقت الذي سيلفظ التاريخ فيه أولئك الذين جعلوا من العقل وسيلة لتعزيز امتيازهم لا لتحرير الناس.
وها هو صوت قادم من خارج هذه أسوار، من خارج الاحزب، من خارج خطبة الجمعة التي تعدها مؤسسة الدولة الدينية، يعلن بكل وضوح سنؤسس دولة اخرى تشبهنا ونهدم دولتكم


