مهند زامل يكتب: تأسيس تُنهي عقوداً من الظلم و القهر الممنهج و الاستتباع :

لقد اصاب العطب الفكري جُلاً من النخب السودانية في تشخيص أزمة دولة ما بعد الاستعمار في السودان و التي شـهدت غياب تام لمشروع التحرر الوطني بعد الاستقلال السياسي الذي حدث في العام 1956 م ، بل تلاقفت تلك النُخب الموصومة بالسودانوية، إدارة الدولة و التحكم في موأردها و مصائر شعوبها المختلفة، ثقافياً، اثنياً، دينياً وجغرافياً .(واُشير قصداً بالموصومة لأنها كانت تتأفف من كلمة سوداني في اشارة للعبيد غير المحررين* راجع كتاب الأفندية و مفهوم القومية في السودان – خالد عثمان الكد) بل أنهمكت و بلا هوادة في نهب الموارد و إستغلال الشعوب، و هذا ربما برر للبريطانيين سياسة (الارأضي المقفولة) حفاظاً علي مُغتنيات تلك الشعوب الثقافية منها و الدينية الجغرافية.
لقد ظل توالي هذه النخب علي حكم البلاد دون الألتفات لعوامل وحدة السودان و النظر لتنوعه، بأسلوب من الغطرسة و التعالي مما ولد الحروب المتوارثة اباً عن جد، بل بأبتداع ايديولوجيا تقسيم الشعوب و التشكيك في سودانيتهم، و هذا ليس بأسلوب جديد في خطاب النخبة المسيطرة، بل اُستخدم مع دكتور جون قرنق دي مبيور و في شتي الضروب، هذه الاساليب ظلت ايديولوجيا تخديرية لوعي الشعوب السودانية او ما دُرج اليوم في أدب الحروب اللأحقة ب(العلف) .
ان الجذور التاريخية للأزمة السودانية لم تراوح مكانها فمنذ العام 1955 عندما اكتشف الجنوب سودانيين حقيقة الخدعة في سودنة الوظائف و التي استفردت بها النخب الشمالية و ذلك عندما كان نصيب الجنوبيين فيها عدداً لا يتجاوز ثماني وظائف من مجمل ثمانمائة وظيفة، في اول عملية احتيال تقوم بها النخبة الشمالية بعد الاتفاق الذي تم في مؤتمر جوبا 1947 بتوحيد النضال المشترك ضد الاستعمار وعلي ان يقوم نظام فيدرالي في السودان، تناقصت كالعادة النخب الشمالية عن مخرجات المؤتمر في اكبر عملية نصب و احتيال او كما يسميها المصريين (فتونة و نصب) . مما أدي الي اشعال فتيل التمرد الذي قادته حركة الانانا 1 بقيادة جوزيف لاقو .
ان الاسباب الموضوعية التي ادت الي قيام حركة الانانا في جنوب السودان ، توافرت في بقية اقاليم السودان المختلفة، فقد لحق بهم اقليم جبال النوبة و اقليم الفونج و اقليم دارفور، و في كُلً من حركات المقاومة هذه، اعتادت النخب الشمالية علي خطابها البائد في وصف حركات التحرر الوطني هذه علي انها عنصرية و ذات صلة بالعمالة والارتزاق وغيرها من الاوصاف (نظرية المؤامرة) ، و لان بروز الحركات المقاومة لسياسات دولة ما بعد الاستعمار في السودان وفي الاقاليم المختلفة ينفي فرضية مهمة ظلت تستند عليها النخب الفاشلة في تبريرها للقمع و القهر الممنهجين بان المشكلة في جنوب السودان، و للأسباب أنفة الذِّكر، لذلك تجدها تتعامل ببالغ الوحشية مع اي مقاومة تخرج من نطاقها المالؤف حينها لا تتؤاري في استخدام القوي المميتة كما اسمآها اخيراً عرابهم البرهان. وهو ما أشار اليه القائد عبد العزيز ادم الحلو في احدي المقابلات الصحفية (اذا لم تستجيب النخب لقضايا السلام الدائم فأن الحرب ستصل الي بورتسودان) .
نُحن اليوم غير مسألين اليوم علي الاجابة عن الأهمية القصوي التي تمثلها حكومة السودان التأسيسي، و التبرير كذلك عن الفرحة العارمة التي انتظمت جموع السودانيين في الداخل و الشتات المستمر (والذي يري من هذه الحكومة او الدولة الجديدة “سمَها كما شئت” انها الحاضن الاَمن الذي يتيح لهم الفرصة للتعرف علي أولئكٍ الاطفال الذين ولِدوا في غيابهم)
و نواصل



