مقالات واراء

من القصر إلى التيه: حين خانت البندقية أصحابها

جمعة حراز

اللساتك جابتو القصر، والبندقية طلعتو من القصر مشرد حيران.

ليست مجرد عبارة دارجة… بل شهادة مريرة على عصر اختلطت فيه القوة بالوهم، والكرسي بالسلاح، والوطن بطموحات أشخاص.

في سودان اليوم، تتكشف الفصول الموجعة لمعركة لم تبقِ ولم تذر. رجال تسلقوا جدران السلطة على ظهر “اللساتك”، وتوهموا أن البندقية وحدها تمنح الشرعية. جلسوا على عروش أحرقتها نيران الفتن، فكان أن لفظهم ذات القصر الذي ظنوه مِلكًا لا يغادرونه. خرجوا منه مشردين، حيارى، بلا مشروع… إلا الحنين للمجد الزائف.

لقد سقطت العاصمة، وسقطت معها أوهام “التحكم المطلق”، حين كشفت الحقيقة أن البندقية قد تفتح بابًا، لكنها لا تُبقيه مفتوحًا إذا لم تكن هناك عدالة، وشرعية، ووجدان شعبي يحمي الحُكم. فمن يدخل القصر على عجلات اللهب، يخرج منه تحت رماد الفشل.

ما حدث ليس مجرد تحول سياسي، بل عِبرة سياسية وأخلاقية، بأن الوطن لا يُدار كغنيمة، وأن العسكر حين يتقدمون على إرادة الشعوب، فإنهم يُخسرون كل شيء: السلطة، الثقة، وحتى الاحترام.

إن الذي يُشهر السلاح في وجه شعبه، يضعف مهما قوي. والذي يحكم تحت ظل البندقية، سرعان ما يخاف من ظلها، ويهرب من صداها. وها هم اليوم يفرّون من الخراب الذي صنعوه، تتقاذفهم المنافي، ويبتلعهم النسيان.

في عالم السياسة، لا يُقاس القادة بعدد الجُند ولا فوهات المدافع، بل بمقدار ما يبنونه في الضمائر والقلوب. وما أعظم الفرق بين من يحمل سلاحه لحماية الناس، ومن يشهره ليحكمهم بالخوف.

هذه لحظة صدق في تاريخ السودان… فليتعلّم من أراد أن يتعلم:

أن الكراسي التي تُؤخذ على عجلة، تفرّ من تحت صاحبها إذا غابت الحكمة. وأن “اللساتك” التي جاءت بهم، لم تستطع أن تُبقيهم ساعة بعد أن انفض عنهم الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى