ثقافة ومنوعات

شاعر النبض الشعبي: محمد خير الخولاني

عبدالله حسن عبدالمجيد

كما يقول ناظم حكمت: “إذا لم أكن صادقًا في الشعر، فلا معنى لأن أكون شاعرًا.” هكذا كان محمد خير الخولاني، شاعر الصدق والنبض الشعبي، لسان من لا لسان له، ومرآة البسطاء وبيوت القش التي تحمل قصص الألم والصمود.

رحل عن عالمنا محمد خير الخولاني، الشاعر الذي لم يكن مجرد قلم يسكب الكلمات، بل كان نَبضًا حيًّا يتردد صداه بين دروب مدينة نيالا وجنوب دارفور بأكملها. غاب جسده في مدينة الزنتان الليبية بعد معركة قصيرة مع المرض، لكن أثره لم يغب. برحيله، انطوت صفحة مضيئة من دفاتر العامية السودانية، ذلك الأدب الذي كان كالمرآة العاكسة لأحلام المساكين وأوجاع المحرومين، صوتًا صارخًا يصدح بحكايا القرى وملامح الجوع على الوجوه المنسية.

لم يكن الخولاني عابرًا في ساحات الأدب الشعبي، بل كان هو الساحة ذاتها، رائدًا أضفى على الكلمات بريقًا من بساطة لغة الناس وصدقها، أستاذًا ومؤسسًا للمنتديات، وملاذًا لحكايا البسطاء. حملت قصائده إيقاع الفقر ومرارة المعيشة كأنها بوحٌ صادق لمن تلمسهم الحياة بحزنها القاسي. حين خطّ “مرحاكة الفقر” و”بوخة المرقة”، استحضر مشاهد الأرض وتفاصيل بيوت البسطاء حيث تختبئ الأحلام الخجولة. لم تكن كلماته مجرد حروف، بل كانت نافذة إلى آلام أمة، صوتًا متجددًا لزفير الحقول وأسرار البيوت، جعلنا نستمع إلى أنين الفقر، وصرخة العوز.

قصيدته الشهيرة “أروي” لم تكن مجرد كلمات مرتبة، بل كانت أشبه بعطر ناعم يتسلل إلى الأرواح، موسيقى صامتة تتغلغل في النفس، تتحدث بلغة الوطن، لغة الأرض المتعبة. أصبحت القصيدة رفيقًا أزليًا في الذاكرة السودانية، كنغمة لا تتلاشى، كإيقاع لا ينسى، ولقد كرسته هذه القصيدة رمزًا خالدًا للأدب الشعبي السوداني.

وعلى الرغم من عظمته، بقي الخولاني بعيدًا عن أضواء الإعلام، شاعرًا هامسًا في الظلال، يُلقي قصائده كنجوم تُضيء دون ضجيج. تعاونه مع عمالقة الفن السوداني، مثل الهادي الجبل ونانسي عجاج، جعل من بعض أغانيه – كـ “حبيتو فرادي” – لحنًا يُرددُ في كل بيت، غير أن صورته ظلت في الخلفية، كأنما اختار بنفسه العيش في هدوء بعيد عن الأضواء.

يرحل الخولاني عن عالمنا تاركًا إرثًا شعريًا يُخلد صوته في أروقة الذاكرة، إرثًا نابضًا بحب الوطن وأوجاعه. كان محاربًا بالكلمة، فارسًا لم يحمل سلاحًا سوى شعره، أيقونة لكل بائس، وعرّابًا لكل حالم لم يجد من يُعبّر عنه. ستحيا روحه في قلب كل قصيدة، ستظل كلماته شاهدةً على شاعر أضاء طريقًا للحلم، لمن لا صوت لهم، وستبقى أشعاره كحارس للذاكرة، تحفظ نبض وطن وتراث شعب يخلد شاعرهم الخالد، محمد خير الخولاني.

وستفقد مدينة نيالا البحير، تلك التي تعرفه ويعرفها، شاعرها الذي لطالما كان صوتها الصادق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى