
يفترض بعضهم أنّ إشكالية الإسلام السياسي المعاصر هي إشكالية دولة، في أفق نهضة حضارية؛ أي إنّ الإسلام السياسي يقدم تصوره للإسلام من خلال تصوره للدولة.
ولكن إشكالية الإسلام السياسي هي إشكالية سلطة شمولية وسيطرة مطلقة، بلا أفق، منطلقين في ذلك من إحالة مفهوم “الحاكمية”، من أحد وجهيه، إلى السلطة، والصراع المفتوح عليها تاريخياً، لا سيما منذ انهيار السلطنة العثمانية، بوصفها خلافة إسلامية، بدليل مواقف الإسلاميين على اختلاف اتجاهاتهم، الإصلاحية والسلفية والإخوانية والثيوقراطية والصحوية، من السلطات القائمة.
ليس هنالك حدود واضحة بين هذه الاتجاهات، بحكم مرجعيتها المشتركة؛ أي القرآن والسنة النبوية. فالإسلام السياسي يقدم تصوره عن السلطة من خلال تصوره عن الإسلام الأول، أي إنّ مرجع التفكير في السلطة هو التصور الذاتي لإسلام لم يلوثه التاريخ، إذاً، مرجع التفكير هو الخيال، لا الواقع المعيش ولا الممارسة السياسية.
وإذ يحيل مفهوم الحاكمية، من وجهه الآخر، إلى السيادة، لا إلى الدولة، فإنّ هذه الإحالة تؤكد فرضيتنا، من حيث واقع السلطة وتبريرها الأيديولوجي: السلطة بشرية والسيادة (الحاكمية) إلهية؛ إذ لا تقوم سلطة خارجية من دون تبرير أيديولوجي، يخفي خارجيتها. هذا التركيب بين البشري والإلهي، الذي عبرت عنه المسيحية، يحيل إلى وحدة الإنسان والإله (أنسنة الإله وتأليه الإنسان).
هذه الوحدة يهدرها التفاوت الاجتماعي، وآليات الاصطفاء، أو الهندسة الاجتماعية، فلا تنطبق إلا على الحاكم وبطانته والمتمجدين بمجده، بتعبير عبد الرحمن الكواكبي، أو المكلفين بالنيابة عن الله في الأمر والنهي والإرادة والتشريع، والثواب والعقاب أيضاً. لذلك يلتبس مفهوم الدولة في ثقافتنا بمفهوم السلطة، فلا نفرق بينهما.
هنا يحضر المطلب الديمقراطي ومطلب العدالة، بوجه عام والعدالة الاجتماعية، بوجه خاص، كحدين ضروريين على هدر هذه الوحدة، يجعلان من مناهضة الاستبداد السياسي والاستبداد الديني واجباً أخلاقياً، لوقعنة “الروح الإنساني، الذي يسري في الدين”، على حد تعبير كارل ماركس، أو تحقيقه في الواقع المعاش، وإعادة الدين إلى جذره أو مصدره الأخلاقي، الذي يتعيَّن في العلاقات المتبادلة بين الأفراد والجماعات، وفي المعاملات والعقود والعهود.
مناهضة الاستبداد السياسي والاستبداد الديني يمكن أن تجعل من “وحدة الإنسان والإله”؛ أي من هذا المركَّب التاريخي، الذي أسفر عنه التطور الحضاري عامة وتطور المعتقدات الدينية خاصة، مدخلاً إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المواطِنة والمواطن، بصرف النظر عن جميع محمولاتهما، وأساساً للدولة الوطنية، بشرط إعادة الدين إلى الأخلاق، لا العكس، وإعادة ما للإنسان إلى الإنسان.
ونعني بذلك نفي الاغتراب الديني، وما ينتج منه، وإعادة الإنسان (الأنثى والذكر) إلى مركز التفكير والاهتمام.ولم يتنبّه الدعاة الإسلاميون، على اختلاف اتجاهاتهم أيضاً، ولا سيما الصحويون منهم، إلى أنهم جعلوا من الإسلام مجرد أداة للحكم، أداة مجرَّدة من أي قيمة أخلاقية، فشلُّوا طاقته الروحية، وهدروا مضمونه الأخلاقي، من خلال تغييب الإنسان وتغييب المجتمع.
موضوع الفكر الإسلامي المعاصر هو “الإسلام”، و”المجتمع الإسلامي”، و”الدولة الإسلامية”، لا الإنسان والمجتمع والدولة، لذلك ليس بوسع هذا “الفكر” أن يتجاوز الحدود، التي وضعها لنفسه؛ أي ليس بوسعه الانفتاح على مفاهيم الوطن والمواطنة المتساوية، ولا على المبادئ والقيم الديمقراطية، مهما أمعن في مديح “الآليات الديمقراطية”، كالانتخاب والتمثيل، ومهما اجتهد في البحث عن جذورها في “الإسلام”، أو في تأصيلها في التراث الإسلامي، ليس في وسعه كذلك أن يكون معاصراً وكونياً، وهما شرطان أساسيان من شروط الأصالة.



