
من بين أتون الحرب في الخرطوم، تحوّلت بورتسودان إلى الوجهة الجديدة لجنرالات الحرب، لم تكن المدينة الساحلية خيارًا عابرًا، بل مقرًا لتحالف عسكري وسياسي شكّل ما يشبه “عاصمة الأمر الواقع”، يُدار منها الصراع وتُبرم فيها صفقات السلاح والمال، هكذا تحوّلت بورتسودان التي عُرفت لعقود بسكونها، وبساطة ناسها، وقهوة “أدروب” على الميناء، إلى منصة مفتوحة لخطاب الكراهية وتحشيد الحرب في مشهد يعاكس تمامًا طبيعتها المسالمة.
لكن رياح الحرب كما هي دائمًا، لا تسير في اتجاه واحد، فبعد أشهر من هذا التمركز، وهروب الجبناء اليها تلقّى المعسكر الرافض للسلام ضربة قاسية ومباشرة، بمسيرات إستهدفت مواقع استراتيجية في بورتسودان، كان أبرزها تدمير أربعة مستودعات من أهم خزانات الوقود، تقدر الخسائر الأولية بــ(67)مليون دولار، مما أدى إلى شلل واسع في شبكة الإمداد النفطي وتوقف الحركة اللوجستية والعسكرية المرتبطة بها علي صعيد آخر تم شل كل المتحركات والدفاعات الجوية لتحالف الحرب في كردفان والوسط . وبين ليلة وضحاها، أصبحت المدينة بلا كهرباء أو ماء، بلا وقود او مطار، ودون بنى تحتية قادرة على العمل.وتقديم الخدمات للمواطن
وما جعل الأمر أكثر حساسية، هو إعلان مكونات محلية كـ”تجمّع البجا” رفضها لتحويل المدينة إلى قاعدة عسكرية، ومنحها مهلة واضحة لقيادات الحرب بمغادرتها، ما يكشف عن بداية تمرد داخلي على سياسات التحالف. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤل مشروع: هل بدأ فعلاً تفكيك تحالف بورتسودان.
لطالما كان الهاربين من جحيم الحرب التي اشعلوها في الخرطوم لم يتعظوا واستغلوا النفط الموردًا القومي في السودان، اداة للحرب وتحويله نغمة و لعنة، استُخدم لعقود كأداة للهيمنة والإقصاء من المركز بدلًا من التنمية والتكامل. فإن تعطيله اليوم واختراق كل المستودعات في بورتسودان لا يقلّ أهمية عن وقف إطلاق النار بالقوة وقد يكون هو السبيل الأنجع لإنهاء الحرب، من خلال تجفيف منابع تمويلها وتحجيم قدرة الأطراف المتنازعة على مواصلة القتال.
ما يجري في بورتسودان ليس مجرد هزيمة ميدانية لتحالف الشر أو ارتباك إداري، بل ملامح تحوّل سياسي أعمق. فالمعسكر الرافض للسلام، والداعي لاستمرار الحرب بمقولاته المشمئزة( بل بس )والذي اعتمد على النفط والميناء والدعم الخارجي، يجد نفسه اليوم أمام خيارات محدودة، أبرزها التوهان والتخبط في الخطاب الشي الذي يعد بداية تفكيكه وإجباره والذهاب الي طاولة التفاوض مشتتا ليس لأن رغبته قد تغيّرت، بل لأن أدوات بقائه بدأت تتهاوى واحدة تلو الأخرى وعوامل تفكيكه اكتملت بعد شهور من الخبث والمؤامرة علي الشعب السوداني .
ختامًا، فإن مسار السلام في السودان لن يُبنى فقط على الاتفاقات السياسية، بل على تفكيك قدرات المجرمين التي غذّت الحرب، وإعادة توجيه الموارد الوطنية نحو بناء الدولة لا تخريبها. وإذا كان انهيار معسكر بورتسودان يمثل بداية النهاية لهذا النزاع، فإن ما يليه يجب أن يكون بداية جديدة تُعيد للوطن اتزانه، وتأسيسه علي المواطنة المتساوية التي تحفظ امنه وسلامة أرضه وسيادته.


